يقوم برنامج السياسة الخارجية في وقف سيتا بعمل أبحاث في أهم مواضيع السياسة وتشمل تركيا، الشرق الأوسط، أوربا، البلقان، أفريقيا، القوقاز وما وراء المحيط. وبجوار قيام البرنامج بخلق مجال للنقاشات العامة يسعى كذلك إلى إنتاج تحليلات متعمقة وتقديمها لصانعي القرار والرأي العام. وفوق ذلك فإن برنامج دراسات السياسة الخارجية له العديد من المنشورات منها تقارير وتقديرات موقف وتحليلات تنشر باللغة التركية والإنجليزية والعربية.

  •   جرى توقيع وثيقة نقل الحبوب التي ستخفّف أسعار الأغذية الباهظة على الملايين من البشر في قصر طولمة باغجة بوساطة تركيا والأمم المتحدة بعد محادثات صعبة وطويلة. وأُسّس في إسطنبول مركز عمليات مشترك لنقل الحبوب، وإن في هذا النجاح الذي يعيد فتح الموانئ الأوكرانية ويوفّر نقل أكثر من 20 مليون طن من الحبوب، مساهمة كبيرة للجهود المستمرة للرئيس أردوغان. ترى مجلة الإيكونوميست أن هذا «النجاح المدهش» أتى نتيجة «الاحتيال الجيوسياسي» لأردوغان؛ كم هو تقييم مخطئ.. فتوقيع وثيقة نقل الحبوب أصبح ممكنًا بقدرة تركيا على توفير الثقة التي يمكنها إجراء مفاوضات مع أوكرانيا وروسيا في الوقت نفسه. وليس توفير الثقة هذا مصادفة ولا احتيال دبلوماسي، بل إنه ثمرة السياسات التركية تجاه روسيا وأوكرانيا قبل الحرب وأثناءها والتطورات الجديدة التي حدثت بسبب الحرب. علاوة على ذلك، فإن هذه الوثيقة هي نتيجة الدبلوماسية يتبعها أردوغان رداً على المنافسة المتسارعة بين القوى العظمى في الوقت الذي ينتقل فيه العالم إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب. لا شكّ أن توقيع وثيقة نقل الحبوب هي أكثر التطورات الواعدة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ولكن ينبغي أن تُقطع مسافات كبيرة من أجل الهدنة أولًا، وللوصول إلى النجاح ثانيًا، وإن تركيا ستواصل اتخاذ المبادرات الدبلوماسية الجديدة لهذا الغرض. في الواقع، دعى الرئيس أردوغان إلى السلام العادل في حفل التوقيع مشيرًا إلى أن "لا منتصر في الحرب". ولكن للأسف، عزيمة وقوة الطرفين وأنصار تلك الحرب على مواصلتها لا تشير إلى إمكانية تحقيق السلام على المدى القريب. وإن احتلال روسيا لأوكرانيا ورد الغرب على هذا ليس حربًا أو أزمة للأمن في أوروبا فقط، بل إن هذا الاحتلال وما بعده يشكّل بيئة دولية جديدة. ويقال إن أزمات الطاقة والغذاء والسلع تتسبب في ركود عالمي. والأهم من ذلك، هناك مزاعم أن حربًا باردًة جديدًة قد بدأت بين روسيا وأوروبا. ومن المؤكّد أن هناك منافسة قوة كبيرة جديدة في في بيئة متعددة الأقطاب تنتهي فيها الهيمنة الغربية. تخلق هذه المنافسة الجديدة مناخًا مختلفًا عن بيئة الحرب القديمة بين الغرب والاتحاد السوفياتي بينما لا يشكل خطاب إدارة بايدن عن "الديمقراطية ضد السلطوية" رأس مال أيديولوجي يمكن أن تحل محل "الخطر الشيوعي". وتتخذ القوى العالمية والإقليمية مثل الصين والهند مبادرات لخلق بيئة جيوسياسية جديدة، كما أنها ليست طرفًا في الاستقطاب بين الغرب وروسيا. وتؤدي مقاومة روسيا للعزلة إلى تسريع الانتقال إلى "حقبة ما بعد الهيمنة الغربية" والتحول نحو التعددية القطبية. وهكذا، ينتقل النزاع بين أمريكا والصين الذي هو أصل منافسة القوة الكبيرة إلى مستوى جديد. ويقلق الخبراء في واشنطن الذين يعتقدون أن الإصرار على عزل روسيا يمكن أن يجعل التقارب بين الصين وروسيا دائمًا. محاولة عزل الغرب لروسيا ستفقد فعاليتها ما لم تستسلم روسيا، لأن موسكو تميل إلى التعويض عن العلاقات المتدهورة مع العواصم الغربية بالعواصم الأخرى في العالم، وقد أظهرت قمة طهران أن روسيا لم تتخل عن مطالبها في الشرق الأوسط، ويجب قراءة دلالة قمتي جدة وطهران في ضوء واقع أن القوى في المنطقة قد تحولت إلى أسلوب سياسي جديد. والآن أصبح النهج الكلاسيكي للتحالفات المتعارضة باليًا. إن تركيا من أكثر الدول استعدادًا للبيئة الدولية المليئة بالمنافسات المتعددة غير الواضحة. فأكبر التحولات في السياسة الخارجية لتركيا في آخر خمس أو ست سنوات كان في النهج تجاه الأزمات الإقليمية والعالمية. ولفتت نتيجة الدبلوماسية التركية بعد احتلال روسيا أوكرانيا وتوقيع وثيقة نقل الحبوب انتباه كل العواصم في العالم. ويمكن سرد بعض التطبيقات التي قادت أردوغان إلى النجاح في طولمة باغجة: اتباع الدبلوماسية الاستباقية تجعل الحوار ممكنًا مع جميع الأطراف قبل الأزمة وبعدها. القدرة على إدارة المصالح المتناقضة في سياق المنافسة التعاون. مواصلة العمليات الصعبة مع مؤتمرات القمة حيث يلتقي القادة والدبلوماسيون. تحسين العلاقات الثنائية والتحالفات الموجودة بدلا من الاستقطاب أو البحث عن تحالفات جديدة وغض النظر عن المشكلات. وتحويل النقاط المهملة موضوعا للمفاوضات الجديدة في أوقات التغيرات الجيوسياسية
  • احتلال روسيا أوكرانيا أعاد إلى الواجهة مكانة المنطقة بالنسبة إلى الاقتصاد والاستقرار العالمي.
  • ترغب أنقرة أن تكون عامل توازن يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.

تحميل المزيد

  • يمكن القول إن المسار العام للعلاقات السعودية التركية قد تغير بشكل إيجابي. فقد انخفض مستوى التوتر في العلاقات الثنائية من خلال الزيارات المتبادلة وانطلقت عملية الشراكة الثنائية مجددا بفضل الخطوات المتبادلة. وستتعزز هذه الشراكة وتأخذ طابعا مؤسسيا عبر الخطوات التي سيتم اتخاذها في المرحلة المقبلة.

  • إن الدبلوماسية التركية تعزّز تأثيرها يومًا بعد يوم بطريقة ريادية وبناءة

  • إن تركيا هي الحصن الأكبر ضد التوسع والعدوان الإيراني في شمال العراق وشمال سوريا، وبالتالي فالمصلحة المشتركة في كبح التوسع الإيراني يمكن أن تحفز تركيا وإسرائيل نحو تعاون سريع وأكبر، حيث لا تستطيع إسرائيل مواجهة إيران من خلال التحالف مع الإمارات العربية المتحدة أو حتى المملكة العربية السعودية فقط، فدعم تركيا أمر بالغ الأهمية.

  • إن موقف أنقرة واضح؛ فهي تريد أن ينحسب الجيش الروسي وتدعم استقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها بينما تواصل بيع الطائرات المسيرة لأوكرانيا في إطار التعاون معها في مجال الصناعات الدفاعية.

  • لا شك أن تأثير الحرب المطولة في أوكرانيا سيكون مدمراً على الأمن الأوروبي والاقتصاد العالمي. لذلك يجب أن تكتسب الدبلوماسية زخماً أكبر. وضع الهجوم الروسي على أوكرانيا "المفاوضات" في طليعة المطالب العامة. وبدا السبب في منح الدبلوماسية فرصة بهذه السرعة واضحاً تماماً فكلا الجانبين بحاجة إليها. ومع تخلي الولايات المتحدة وأوروبا عن بلاده، اضطر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للإعلان عن استعداد كييف لأن تصبح "محايدة". وفي غضون ذلك قال الكرملين، الذي كان يأمل في الإطاحة بالحكومة الأوكرانية من خلال الاستيلاء على عاصمتها أو فرض حصار عليها، إنه مستعد للدخول في مفاوضات. لكن موسكو التي ما زالت تدعي أنها "تحرر" الشعب الأوكراني بدلاً من احتلال أراضيه، عليها أن تثبت أنها لا تخجل من الدبلوماسية. ومهما كان الأمر، فقد حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حث الجيش الأوكراني على الإطاحة بزيلينسكي، الذي تعتبره روسيا زعيماً موالياً للغرب، قائلاً: "يبدو أن التوصل إلى اتفاق معكم سيكون أسهل بالنسبة لنا من التوصل إلى التعامل مع مدمني المخدرات وعصابات النازيين الجدد". وتعني الحرب المطولة معاناةً إنسانيةً كبيرة وانهياراً اقتصادياً مدمراً فضلاً عن انقسام الأراضي الأوكرانية خارج منطقة دونباس. وفي الواقع تختلف أوكرانيا عن سوريا التي تجاهل العالم فيها مئات الآلاف من القتلى على مدى السنوات الـ 11 الماضية. وليس هناك أية حكومة تريد أن تستمر الحرب الحالية لفترة طويلة بالنظر إلى التداعيات العميقة التي قد تترتب على الأمن الأوروبي. لذلك، قد يواجه زيلينسكي ضغوطاً "للتنحي وإنقاذ أوكرانيا" في غضون فترة زمنية قصيرة. كما أن الحرب المطولة ستضر بالمصالح الروسية، إذ يحتاج بوتين إلى نتائج سريعة لأن النصر الخاطف من شأنه أن يعزز شعبيته في الداخل. علاوة على ذلك، تواجه موسكو في صراع طويل الأمد، مجموعة واسعة من التحديات، من خسارة الشعب الأوكراني إلى العقوبات الاقتصادية الشديدة واتهامات بجرائم حرب. وقد يؤدي غزو البلاد بأكملها إلى مواجهة مقاومة ستتصاعد إلى حرب أهلية وتتحول إلى كارثة غير مسبوقة لبوتين. أخيراً، فإن الحرب المطولة والارتفاع الكبير في عدد الضحايا المدنيين من شأنه أن يقوض تماماً محاولة موسكو لتبرير هجومها بالرجوع إلى الأمن القومي. وقد تضطر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذان لم يغامرا بما يتجاوز العقوبات الاقتصادية حتى الآن، إلى فرض عقوبات معينة على الطاقة الروسية أيضاً. المعركة الأيديولوجية إن فكرة "التحول إلى الدبلوماسية" هي موضوع معركة أيديولوجية بين الغرب وروسيا. فمنذ بدء الأزمة، كانت الحكومات الغربية تقول إن روسيا ليست حريصة على الانخراط في الدبلوماسية. وعلى النقيض من ذلك، يؤكد الكرملين أن الغرب لم يمنح الدبلوماسية فرصة. ورد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على مزاعم الغرب بالقول إن بلاده "لم تحتل أوكرانيا" بينما حث الجمهور على النظر في "ما فعله منتقدونا في الماضي".ووسط هذه الحرب الكلامية يجد المراقبون أمرين جديرين بالملاحظة أولهما، أن بوتين كرر خطأ أسلافه في الحقبة السوفيتية من خلال منح إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن فرصة لتعزيز التحالف الغربي وحلف شمال الأطلسي. وفي الوقت نفسه وبسبب افتقار التحالف الغربي إلى الحسم، اتخذت روسيا خطوة أخرى نحو إعادة بناء إمبراطوريتها ويمكنها تقديم مطالب إضافية فيما يتعلق بجورجيا ومولدوفا ودول أوروبا الشرقية. رسالة أردوغان قبل قمة الناتو الأخيرة، صرح الرئيس رجب طيب أردوغان علناً في خطوة على جانب كبير من الأهمية، أنه يتوقع أن يتخذ الحلف "خطوات أكثر حسماً" بدلاً من "تقديم توصيات". فالتخلي عن أوكرانيا في مواجهة هجوم روسيا سوف يُدرج في التاريخ باعتباره خطأ فادحاً. وفي الواقع، نقل أردوغان وهو معروف بأنه زعيم مباشر، تلك الرسالة إلى القادة الغربيين مباشرة. إن هجوم موسكو على أوكرانيا ذكّر الحكومات الغربية بالأهمية الاستراتيجية لتركيا والمعنى الحقيقي لقيادة أردوغان. يبدو أن الغرب بحاجة إلى الاستماع إلى أنقرة أكثر مما اعتاد أن يفعل.