دبلوماسية أنقرة المكثفة

يتبع رئيس الوزراء الليبي الدبيبة سياسة توازن فعالة، حيث يتواصل مع كافة الدول التي كان لها دور في زعزعة استقرار بلاده خلال السنوات الأخيرة، ويظهر في الوقت نفسه أنه يولي أهمية خاصة لأنقرة التي ساهمت من طريق اتفاقيات 2019 في توطيد الاستقرار في البلاد.

ما زال قادة الاتحاد الأوروبي يناقشون أزمة البروتوكول التي افتعلوها هم أنفسهم الأسبوع الماضي، بينما تعيش أنقرة حالة استنفار دبلوماسي محموم، ففي أخر ثلاثة أيام فقط: تحدث الرئيس أردوغان هاتفياً مع الزعيم الروسي بوتين يوم الجمعة، ,استقبل الرئيس الأوكراني زلنيسكي يوم بمناسبة الاحتفال بالعام العاشر من الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وأوكرانيا، وقد أكد الزعيمان على أنهما يميلان لحل أزمة دونباس بالطرق الدبلوماسية. وبالأمس كان رئيس الوزراء الليبي الدبيبة بصحبة 5 من نوابه، و14 وزيراً، ورئيس أركان حرب الجيش في أنقرة لحضور اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي الليبي-التركي رفيع المستوى. وقد أتت الحكومة الليبية بوفد كبير وكأنها تريد إظهار الأهمية الخاصة التي توليها لأنقرة رداً على توافد قادة الاتحاد الأوروبي إلى طرابلس في الأسابيع الأخيرة.

نهج أردوغان في أزمة دونباس

حدة التوتر بين موسكو وكييف لا تكاد تخف، فكل طرف يتهم الآخر بممارسة الاستفزاز والشعبوية من أجل تحقيق مكاسب في السياسة الداخلية. الولايات المتحدة من جانبها سترسل سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود، فيما يطالب العالم الغربي روسيا بسحب وحداتها العسكرية من الحدود الأوكرانية. يأتي ذلك بينما تبذل تركيا مساعيها لخفض التوتر، ذلك أنها دولة لديها القدرة على إجراء تعاون موسع مع روسيا وأوكرانيا في الوقت ذاته في العديد من المجالات من التجارة وحتى الدفاع. ويحافظ أردوغان على هذه العلاقات الشائكة منذ عام 2014 وحتى اليوم، وقد أكد يوم السبت على أن تركيا لا تعترف بضم القرم، وتدافع عن وحدة التراب الأوكراني، وعلى التعاون العميق في مجال الدفاع. علاوة على ذلك ذكر أردوغان أن العلاقات مع أوكرانيا ليست “تحرك موجه ضد أي دولة ثالثة”. ومن الواضح أن روسيا ليست مرتاحة إلى بيع تركيا طائرات بدون طيار إلى أوكرانيا. سيواصل أردوغان تسيير دبلوماسيته القيادية من أجل خفض التوتر في البحر الأسود.

أما نبض التوتر ففي يد بوتين، حيث لا بد له أن يرى تحركاً قوياً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حتى يأخذ تهديدات إدارة بايدن على محمل الجد. ودعونا لا ننسى أن تجربتي جورجيا 2008 والقرم 2014 أظهرتا أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد عجزا عن ردع روسيا. برأيي، بوتين يسعى لجذب بايدن إلى طاولة المفاوضات من خلال رفع حدة التوتر. فهو على قناعة بأن واشنطن لن تتمكن من التنازع مع موسكو وبكين في الوقت ذاته.

الدبيبة رجل التوازنات

يتبع رئيس الوزراء الليبي الدبيبة سياسة توازن فعالة، حيث يتواصل مع كافة الدول التي كان لها دور في زعزعة استقرار بلاده خلال السنوات الأخيرة، ويظهر في الوقت نفسه أنه يولي أهمية خاصة لأنقرة التي ساهمت من طريق اتفاقيات 2019 في توطيد الاستقرار في البلاد. فهو يدرك أن إخراج تركيا من المعادلة الليبية بالمعنى العسكري سيهدد مستقبل بلاده السياسي وأن خطر حفتر ما زل قائماً، حيث أعلن الأخير عن اعتزامه تشييد 3 مدن تستوعب 12 مليون نسمة.

ترغب إيطاليا وفرنسا في أداء دور ريادي في عملية إعادة إعمار ليبيا،فيما ترغب اليونان في دفع ليبيا إلى إلغاء اتفاقية ترسيم المجالات البحرية المبرمة مع تركيا. أما مصر؛ فيهمها أن تحد من النفوذ التركي، جاذبةً في ذلك تونس إلى صفها. غير أن هذه الجهات الفاعلة لم تقم بإسهامات إيجابية لتشكيل الحكومة الانتقالية، فهم إما قدموا الدعم للانقلابي حفتر أو أدوا دوراً هامشياً كعنصر عديم التأثير كإيطاليا، وهم الآن منخرطون في مساعي إقصاء تركيا من المعادلة. يسعى الدبيبة رجل الأعمال القديم لإقامة توازن بين كافة الجهات الفاعلة على أساس من مبدأ الربح للجميع، وهو إن نجح في ذلك فقد يتمكن من الحصول على فرصة للترشح في انتخابات ديسمبر 2021 ويتمكن من حكم ليبيا لفترة طويلة. وفي هذه المعادلة تتمتع أنقرة بأهمية استراتيجية لا غنى عنها.

مسار تحسين العلاقات مع مصر

قدمت القاهرة ردوداً إيجابية على نداءات تحسين العلاقات مع أنقرة، فقد صرح وزير الخارجية المصري سامح شكري أن “مصر حريصة على وجود حوار يصب في مصلحة الجانبين، وإقامة علاقات تتسق مع القانون الدولي دون إلحاق الضرر بأي طرف”. قبل ذلك كان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد توجه بالشكر لأردوغان على ما بذله من مساع خلال رئاسته الدورية لمجموعة الدول الثماني الإسلامية.

من الواضح أن عملية تحسين العلاقات ستأخذ وقتاً وسيتخللها تنافس بين البلدين، حيث ستواصل مصر وتركيا المتقاربتان في مسألة اقتسام مجالات الصلاحية البحرية شرقي المتوسط التنافس على المسرح الليبي. وعلى ذكر هذا التنافس، فإن مصر تسعى لإثارة مخاوف تونس من الوجود التركي في قاعدة الوطية، الواضح إذاً أن التجاذب والتقارب بين تركيا ومصر سيسيران جنباً إلى جنب في الفترة المقبلة.

تسميات