تغيير السفراء ومعالم دبلوماسية تركية جديدة

لعل أهم ما تشير إليه هذه التغييرات الدبلوماسية هو تعيين السفير التركي في طوكيو مراد ميرجان سفيراً في واشنطن، حيث يأتي هذا القرار بعد فوز جو بايدن، وضرورة إعادة ضبط العلاقات بعد مرحلة استثنائية في عهد ترمب.

تمتلك تركيا شبكة دبلوماسية واسعة تضم 138 سفارة و13 ممثلية دائمة و86 قنصلية ومكتباً تجارياً، وتعتبر الخامسة في العالم من حيث عدد الممثليات في الخارج بما مجموعه 239 ممثلية، وتشير هذه الأرقام إلى إدراك تركيا لأهمية العمل الدبلوماسي.وتعمل تركيا بشكل دائم على تفعيل عملها الدبلوماسي من خلال الاستمرار في تغذية بعثاتها الدبلوماسية بمزيد من الكفاءات القادرة على التعاطي مع بيئة دولية شديدة التغير، بما يضمن لتركيا مصالحها الحيوية.

وفي هذا الإطار فقد أعلنت تركيا في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري عن إرسال سفراء جدد إلى51 دولة و 3 ممثليات دائمة، وبينما قرأت هذه التغييرات على أنها عملية إعادة تموضع على مستوى السياسة الخارجية في ظل مرحلة دولية جديدة بكل تفاصيلها وفرصها وتحدياتها، فقد برزت بعض النقاط بشكل واضح وخاص حول بعض التغييرات الدبلوماسية.

مأسسة العلاقة ترفع أهمية الدبلوماسية

لعل أهم ما تشير إليه هذه التغييرات الدبلوماسية هو تعيين السفير التركي في طوكيو مراد ميرجان سفيراً في واشنطن، حيث يأتي هذا القرار بعد فوز جو بايدن، وضرورة إعادة ضبط العلاقات بعد مرحلة استثنائية في عهد ترمب، وبالنظر إلى السيرة الذاتية للسفير ميرجان فهو عضو مؤسس في حزب العدالة والتنمية، ونائب برلماني سابق، وله ماضٍ جيد في العمل الدبلوماسي في طوكيو، وهو مقرب من الرئيس أردوغان، وقد درس الدكتوراة في الولايات المتحدة، وعمل أستاذاً جامعياً في جامعة ولاية كليفلاند، وبالتالي يتضح أن مؤهلاته تتناسب مع أهمية الموقع.

ويشير هذا إلى توقع تركيا قدراً أعلى من المؤسسية والتواصل الدبلوماسي الرسمي مع الإدارة الأمريكية، مع وجود عدد مهم من الملفات التي يلزم التوصل فيها إلى حلول مرضية، مع السعي نحو منع أي أزمات مع الولايات المتحدة قد تضعف الموقف التركي.

تخفيف التوتر

بالنظر إلى العواصم التي يحل السفراء الأتراك الجدد فيها في منطقة الشرق الأوسط فإن الرياض، وأبو ظبي، والمنامة، وصنعاء، وبيروت ستكون على موعد مع السفراء الجدد، حيث يحمل قدومهم توقعات بتخفيف التوتر الذي طغى على العلاقات في السنوات الثلاث الماضية، هذا مع محاولة لعب دور أكبر ومهم في تهدئة العلاقة وتنسيق وهندسة مشاريع التعاون.وقد جاء ذلك منسجماً مع تصريحات ورسائل من بعض المسؤولين في هذه البلدان تبين أهمية إعادة الهدوء للعلاقات.

وفي خارج المنطقة، يُعتقَد أن تعيين السفير السابق في تونس علي أونانير سفيراً في باريس من شأنه أن يحمل رسائل إيجابية تجاه تخفيف التوتر مع فرنسا، وذلك نظراً للعلاقة الشخصية التي تجمع ما بين السفير الجديد أونانير والرئيس الفرنسي ماكرون، حيث كانا زميلَين على مقاعد الدراسة قبل نحو20عاماً.

الدول الحليفة والواعدة للتعاون

وقفت تركيا بكل قوتها في الأعوام الأخيرة في دعم عدة أطراف اعتبرت أنها تمثل الحق والشرعية في وجه الخصوم المناوئين لها، ومن هؤلاء قطر وحكومة الوفاق وأذربيجان في عملية تحرير قره باغ، ممَّا رفع من زخم التعاون معها، وقد دعمت تركيا قطر في وجه الحصار المفروض عليها من جيرانها منذ 2017، وصولاً إلى أيامنا هذه التي قد تشهد انفراجة في الأزمة الخليجية، وفي 2019 دعمت تركيا حكومة الوفاق في طرابلس ممَّا مكَّن الأخيرة من دحر هجوم حفتر على المدينة، وبالتالي فتح آفاق الحوار السياسي للأزمة الداخلية من جديد، وفي قره باغ نجحت أنقرة في دعم باكو في استعادة أجزاء كبيرة من إقليم قره باغ، واستطاعت أن تكون في الجانب الرابح في هذه العمليات.

وفي ظل هذا التعاون تزايدت كثافة العمل الدبلوماسي بين هذه البلدان وتركيا، حيث شهدت البلدان الثلاثة توقيع اتفاقيات ثنائية مع تركيا بشكل مطّرد في العديد من المجالات، ممَّا جعل تطوير العمل الدبلوماسي وتطعيمه بسفراء أقوى ضرورة ملحة، وبينما عينت تركيا سفيراً جديداً في الدوحة هو محمد مصطفى غوكصو في أغسطس/آب 2020 والذي أظهر قدراً كبيراً من النشاط والمشاركة في الفعاليات بشكل يومي تقريباً.فقد شهد اليومان الأخيران تعيين السفير السابق في الدوحة أحمد دميروك سفيراً في أذربيجان، في حين تم تعيين السفير كنان يلماز في العاصمة الليبية طرابلس.

الانفتاح بشكل أكبر على إفريقيا

لا يمكن إخفاء الاهتمام التركي البارز بإفريقيا، وهنا نستحضر ما قاله وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو في مايو/أيار 2020: “إن الشراكة التركية الإفريقية ستكون مثالاً يحتذى به في النظام العالمي الجديد ما بعد كورونا”، وأضاف: “التقدم الذي أحرزته إفريقيا خلال السنوات الأخيرة في العديد من المجالات، وشراكتنا النامية مع القارة، يجعلاننا نتطلع إلى المستقبل بأمل، رغم التحديات الراهنة”.وقد أشار الوزير إلى أن الخارجية التركية أعطت أولوية لتطوير التعاون مع القارة الإفريقية، بالتنسيق مع المؤسسات التركية والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص.

وفي هذا السياق لم يكن مستغرباً أن تعين تركيا سفيراً مثل محمد غوللو أوغلو كسفير لها في تنزانيا، حيث يعتبر غوللو أوغلو ذو الأربعين عاماً نموذجاً لجيل جديد من الدبلوماسيين الأتراك يمثلون ذروة نجاح مؤسسات الدولة التركية، حيث قاد غوللو أوغلو مؤسسات كبرى مثل الهلال الأحمر التركي “كيزلاي” ومؤسسة إدارة الكوارث والأزمات التركية”آفاد”قبل أن يتم إعلان تعيينه سفيراً.

ويعتبر غوللو أوغلو خبيراً بالقارة الإفريقية بحكم عمله خلال السنوات الماضية في المجال الإغاثي في أكثر من بلد إفريقي، وفضلاً عن تنزانيا فقد تم تعيين سفراء جدد في بوركينا فاسو وإريتريا وجنوب إفريقيا وجنوب السودان والكاميرون، ونيجيريا وتوغو وزامبيا.وهذا يشير بشكل واضح إلى الاهتمام الكبير من الخارجية التركية بالقارة الإفريقية في خططها للتعاون في السنوات القادمة.

تشير التعيينات الأخيرة للدبلوماسيين الأتراك إلى أن تركيا مستمرة في السعي إلى تحقيق تفوق كمي ونوعي على مستوى شبكتها الدبلوماسية من جهة، بينما تظهر ميزة مرونتها وخياراتها في التعامل مع مرحلة جديدة على المستوى الدولي بكل فرصها وتحدياتها، في ظل الأزمات الدولية والتحولات في النظام الدولي والتغييرات في سياسات القوى الكبرى.

تسميات