misirli-selefilerin-kritik-gunu-28-kasim

هل يشكل السلفيون تهديداً بالنسبة لتركيا؟

عندما يدور النقاش حول وجود السلفيين في تركيا وفعاليتهم ومدى انتشارهم من عدمه، فمن غير الممكن إنكار وجود السلفية كعقلية أي كفهم وممارسة للدين في تركيا، كما هو الحال في كل العالم الإسلامي. ولكن كون ذلك محدوداً ولا تتوفر لديه قابلية للانتشار هو أمر واقع. ذلك أن التدين الأناضولي التقليدي ينظر بعين الشك لكل فكرة أو حركة مرتبطة بالسعودية والوهابية.

يحتل موضوع السلفية والسلفيين موقعاً في صدارة المفاهيم المبهمة التي شكلت أجندة النقاش في سياقات مختلفة في الأعوام الأخيرة، والتي أُثير الكثير من الجدل حولها، لكنها لم تُفهم كما يجب.

تتميز المفاهيم المبهمة بعدة خصائص وظيفية في الوقت نفسه؛ فأحياناً تُقطع من سياقها، وأحياناً أخرى تُجبر على حمل معانٍ لا تستحقها. ويتم طرح مفاهيم “السلفيين” و”السلفية” التي كانت حاضرة بشكل كبير في مركز النقاشات في الأعوام الأخيرة بتداعياتها السلبية أكثر.

عقب التقاء الإسلام بالبشر نشأت بعض الفروقات في مسائل فهم الدين وتفسيره وممارسته، لأسباب نبعت من الفرد والمجتمع والجغرافيا والتاريخ، وبمرور الوقت نُظمت هذه الفروقات منهجياً لتتحول إلى تفسيرات متفرقة للدين، وسميت مذاهباً وطرقاً أو جماعات كما كان الحال في القرن الأخير.

حافظ المنهجان الأساسيان في فهم الدين على وجودهما إلى يومنا هذا. ينطلق أحد هذين المنهجين من محور الرأي/الاجتهاد، بينما يقدم المنهج الثاني التقليد/الرواية. وتمثل السلفية فهماً وعقليةً تقدّم التقليد والرواية على ما عداهما. وبالرغم من وجود هذه العقلية داخل هياكل تتمركز حول التقليد والرواية أكثر، إلا أنها قد تقيم أحياناً داخل مذاهب تتمحور حول الرأي والاجتهاد، بل وحتى ضمن بعض التكوينات الصوفية.

أظهرت سياقات السلفية التي كشفت عن نفسها بشكل فعال في القرن الأخير في العالم الإسلامي اختلافاً من بلد إلى آخر. حيث تعتبر دعوى السلفية التي يدعو شعارها الأساسي إلى “العودة إلى إسلام عصر السعادة” مسألة تحافظ على وجاهتها بالنسبة لكافة المسلمين. إلا أن أساليب وقواعد نقل هذا المثل الأعلى إلى يومنا متباينة. هذا التباين موجود أيضاً داخل التكوينات المسماة بالسلفية نفسها. فبعضها اختار النشاط العلمي/الأكاديمي كمنهج ومجال للنشاط، والبعض فضل الالتقاء بالمجتمع والقيام بالتبليغ والدعوة، والبعض الآخر سلك مسار تأسيس حزب سياسي وممارسة السياسة عبر الطرق الشرعية. وهناك بعض المجموعات التي تغذت من العقلية السلفية تبنت العنف والإرهاب منهجاً، لتصبح جزءاً من الحروب بالوكالة الدائرة في مناطق الأزمات بالعالم الإسلامي.

عندما يدور النقاش حول وجود السلفيين في تركيا وفعاليتهم ومدى انتشارهم من عدمه، فمن غير الممكن إنكار وجود السلفية كعقلية أي كفهم وممارسة للدين في تركيا، كما هو الحال في كل العالم الإسلامي. ولكن كون ذلك محدوداً ولا تتوفر لديه قابلية للانتشار هو أمر واقع. ذلك أن التدين الأناضولي التقليدي ينظر بعين الشك لكل فكرة أو حركة مرتبطة بالسعودية والوهابية. وقد ساهم توفير الفكر الوهابي الدعم اللاهوتي لحركات التمرد التي اُطلقت ضد الدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية في تشكيل خلفية وجهة النظر تلك.

نشطت بعض الجماعات السلفية في بلدان البلقان وأسيا الوسطى وأفريقيا وأسيا كقوى ناعمة وخشنة أيضاً لدول الخليج الداعمة لها، إلا أن الاهتمام والدعم نفسه لم يتوفر في تركيا. حيث فشلت بعض دول الخليج التي تبحث منذ نصف قرن عن أرضية للترويج لفهمها للدين في تركيا، بالرغم من بذلها جهوداً عديدة. لكن العلم الديني المتمركز حول التقليد/الرواية الذي تنتجه دول الخليج وفي القلب منها السعودية تُرجم إلى اللغات التي يتحدث بها المسلمون، وانتشر بكثافة على شبكة الانترنت.

في التسعينيات بينما كانت نقاشات حادة وخلافات وضغوط تدور في مجال التعليم الديني في تركيا، أُهمل مجال إنتاج بيانات رقمية حول العلوم الدينية. وقد نجحت الجماعات السلفية المدعومة خليجياً التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات بشكل جيد في ملء هذا الفراغ، عبر نشر علومهم الدينية التي أُنتجت بعقلية سلفية، في الأوساط الرقمية.

تعتبر المناهج الدراسية الخاصة بمدارس إمام وخطيب الثانوية وكليات الإلهيات التي تمثل مؤسسات التعليم الديني في تركيا ناجحة في إطارها العام، كما أنها لا تصطدم بالتدين الأناضولي التقليدي بخطوطه العريضة. لكن هناك مسئولية كبيرة تقع على عاتق التكوينات الدينية المدنية التي يجب أن تشكل جسراً بين المجتمع والعلم الديني السليم الذي يتم إنتاجه في تلك المؤسسات.

إن أي جماعة دينية لم تأخذ العبرة والدرس من تجربة تنظيم كولن المريرة التي مرت بها بلادنا لا يمكن أن تنسجم رؤيتها لنفسها في مركز الحقيقة، واقصاءها للهياكل الدينية الأخرى، وسعيها لامتلاك القوة عبر استغلال الدين، وتنظيم صفوفها من أجل ذلك لا مع التفسير التقليدي ولا الاجتهادي للدين، ويحمل كل ذلك في داخله عنصر تهديد كامن. وقد يأتي هذا التهديد والاستغلال من المجموعات السلفية، شأنها في ذلك شأن أي هيكل ديني آخر.

ولما كانت الجماعات السلفية ترى التدين الشكلي أساساً للدين، فإنها لم تشعر بالحاجة إلى إخفاء نفسها. علاوة على ذلك؛ فإنها تحافظ على وجودها كهياكل هامشية، لأنها تتحرك في أنشطتها وخطابها بأسلوب عدائي رافض ومكابر وإقصائي تكفيري.

 

 

تسميات