20646117

نقد أردوغان للتحديث التركي في جامعة بن خلدون

لقد صاغ أردوغان النقد الذي فشلت المعارضة في صياغته بصورة متقنة لحزب العدالة والتنمية.

افتتح الرئيس أردوغان قبل عدة أيام الحرم الجامعي الجديد لجامعة بن خلدون، والتي أشرف بعضوية هيئة تدريسها. ويعكس الحرم الذي دخلت أولى مراحله الخدمة التركيبة المعمارية التركية، في العهد السلجوقي والعثماني وعهد الجمهورية التركية. فهنيئاً لأمتنا!

جامعة بن خلدون التي تعتبر أعلى جامعة تركية من حيث نسبة من الطلاب الدوليين المُسجلين بها، بنسبة 30%، هي جامعة من الجيل الجديد، الذي يتخذ من مبدأ “الاستقلال الفكري” أساساً له. حيث تمتلك الجامعة رؤية تنطلق من شعار “تجديد يستلهم من التقاليد” الذي ذكره أردوغان في كلمته الافتتاحية. وهي دار علمٍ تسعى لإيجاد إجابات على التحديات العالمية الراهنة، محافظةً في الوقت نفسه على جذور تركيا، وتصورها حول الحضارة. هدفها هو إخراج أجيال منسجمة مع تراكمنا الحضاري.

أظهرت نبرة خطاب أردوغان في الافتتاح الخلفية الفكرية لحياته السياسية. وعكست حساباته وإنجازاته وإخفاقاته. فقوله “منذ قرنين ونحن نحاول أن نجد الطريق والوجهة لأنفسنا، إننا نختنق داخل أزمة فكرية” يشير إلى استمرار النقد الذي وجهه سعيد حليم باشا للتحديث العثماني-التركي وصلاحيته إلى اليوم. علاوة على ذلك؛ يعتقد أردوغان أن “نسيان أو نبذ جذورنا” أنتج “عاصفة تغريب بغير ضابط ولا رادع” وأن ” تحول الطريق الذي بدأ من أجل تنشئة أجيال حرة العقل حرة الفكر حرة الضمير، إلى تقليد أعمى للغرب، هو أكبر خسارة لجمهوريتنا” وهو السبب الأساسي لفقدان “الاستقلال الفكري”.

إن أردوغان هو سياسي تزخر حياته السياسية بالصراع مع منافسيه الداخليين والخارجيين. حقق نجاحات لم يكتب لأي سياسي منذ الانتقال إلى حياة حزبية تعددية في تركيا أن يحققها. فقد خرج منتصراً من كل الانتخابات التي خاضها. وبعيداً عن ثورات البنية التحتية التي قادها في العديد من المجالات من المواصلات إلى الصناعات الدفاعية؛ عرف أردوغان كيف يتجاوز أزمات في أعوام 2008 و2013 و2016 كانت لتسقط ساسة أخرين من السلطة. ونجح في الانتقال بتركيا إلى عملية إعادة هيكلة “وطنية-محلية” عبر الانتقال إلى نظام الحكم الرئاسي. أردوغان الذي نجح في هزيمة قادة الأحزاب الأخرى أو مرشحيهم الرئاسيين في الانتخابات يأسى على نفسه في هذه المسألة، قائلاً:

تدركون جيداً الفرق بين أن تكون أنت الحكومة وأن تكون ذا سلطة، وبين أن تكون ذا سلطة وأن تكون السلطة نفسها. نحن نعرف أن السلطة الحقيقية هي السلطة الفكرية. إن طريق السلطة الفكرية الذي يبدأ من الأفراد واحداً تلو الآخر، ممتداً إلى كامل المجتمع، هو مسار وعر وشاق. أنا أشعر بالحزن على نفسي في هذه المسألة. أعتقد أننا كان لنا بصمة على العديد من الأعمال والخدمات التاريخية في كل المجالات، على مدار 18 عاماً، إلا أننا لم نحقق التقدم المرجو في مجالي التعليم والثقافة.”

إن صيغة مفاهيم “السلطة الفكرية” وتنشئة أجيال منسجمة مع قيم حضارتنا” و”الإصلاح الشامل للتعليم” هي أجزاء من فكرة أردوغان حول إنشاء حضارة أفضل. إلا أن تلك المفاهيم هي في الوقت نفسه نقد لحكومات حزب العدالة والتنمية. ويكرر أردوغان هذا النقد منذ فترة. لكن وجه هذا النقد هذه المرة بمنظور شامل لقرنين من الزمان لتاريخ التحديث التركي وتجربة حزب العدالة والتنمية. لقد صاغ أردوغان النقد الذي فشلت المعارضة في صياغته بصورة متقنة لحزب العدالة والتنمية.

أما بالنسبة لاقتراحه للوصول إلى رؤية 2053، فهو تجربة “إمكانيات العالم الحديث، جنباً إلى جنب مع التراكم الحضاري لأمتنا”. لا يمكن أن تتحقق تلك التوليفة بجهود الساسة فقط؛ فهناك حاجة لتحركات شاملة، تقوم بتعبئة رأس مال بلادنا البشري. ويجب أن تتوحد العقائد والميول الأيدولوجية المختلفة، حول قاسم إعلاء مصالح تركيا. وذلك ضروري من أجل إنجاح طموح تركيا في السنوات الأخيرة، المتمثل في الصعود إلى الدرجة الأعلى في النظام الدولي، وجعل ذلك أمر دائم. يجب أن يكون المحور الأساسي هو حب الوطن.

 

تسميات