ما الذي حدث لروسيا في أوكرانيا

تشير الوتيرة الحالية للأحداث واتجاهها إلى أن روسيا ستخرج من الحرب معزولة وضعيفة وأكثر عرضة للخطر

بالرغم من توقع العديد من المراقبين تدخلاً روسياً محدوداً في الجزء الجنوبي من أوكرانيا، لا يتجاوز منطقة دونباس وشبه جزيرة القرم، هاجمت روسيا الأسبوع الماضي البلاد واجتاحتها بأكملها. ولم يتوقع الغرب ولا روسيا مثل هذه المقاومة القوية من الحكومة الأوكرانية وشعبها. وكشف تبادل التفسيرات بين السياسيين الغربيين وروسيا عن استخفافهم بالقيادة السياسية الأوكرانية. لكن التطورات في أعقاب الاجتياح أظهرت أنه لن يكون من السهل على روسيا تحقيق أهدافها في أوكرانيا، على الأقل ليس على المدى الطويل.

وأدت الحسابات الروسية الخاطئة والثقة المفرطة إلى خيبة أمل كبيرة، حيث توقعت القيادة العسكرية الروسية السيطرة على جميع المدن الكبرى في أوكرانيا في فترة قصيرة جداً.

فما هي العوامل التي ساهمت في هذه الخيبة؟

الحقيقة هناك عدة عوامل أولها أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحكومة الروسية لم يستطيعا تبرير اجتياح أوكرانيا لسببين أحدهما نفسي والآخر ثقافي وحضاري.

فالأوكرانيون أقوى من الروس نفسياً ومعنوياتهم أعلى بكثير. ولم تستطع القيادة الروسية تجهيز شعبها وجنودها لمثل هذا الاجتياح، ماجعل الجنود الروس ليسوا متحمسين للقتال، لأنهم لا يعرفون الغرض من قتالهم. وعلى العكس تماماً، الجنود الأوكرانيين والشعب بكافة فئاته أكثر تركيزاً وتصميماً، لأنهم يعلمون أنهم يقاتلون من أجل استقلال بلادهم السياسي وسلامة أراضيها.

أما ثقافياً، فالأوكرانيون تجمعهم الكثير من القواسم المشتركة مع الشعب الروسي. فهم يتشاركون نفس الدين المسيحي، ونفس الطائفة الأرثوذكسية، ونفس العرق السلافي، ونفس اللغة السلافية، وحتى نفس الصفات الجسمانية من حيث لون البشرة ولون العيون ولون الشعر إضافةً إلى الحضارة.

بمعنى آخر، هم متشابهون جداً وتربط الأوكرانيين بالشعب الروسي قرابات وثيقة أيضاً. كما أنها المرة الأولى التي تقاتل فيها روسيا أمة تشترك معها في العديد من الخصائص. لذلك، يبدو من الصعب جداً على الروس تبرير قتال أوكرانيا وقتل الأوكرانيين، أو استهداف المدنيين والأبرياء في أوكرانيا، الذي أدى بطبيعة الحال إلى رد فعل غاضب من الرأي العام الغربي.

الرأي العام العالمي

العامل الثاني هو أن روسيا فشلت في كسب الرأي العام وفشلت أيضاً في السيطرة على الإعلام. إذ أنها لم تستطع استخدام قوتها الدعائية بالمستوى المطلوب. وسيطرت الدول الغربية على المعرفة بالأزمة، ونشرت النسخة الأوكرانية من القصة، وحدّت من تأثير وسائل الإعلام الروسية مثل قنوات روسيا اليوم وسبوتنيك. بل إن الدول الغربية صارت تؤثر على الرأي العام الروسي، وبات العالم يعترف بأن روسيا دولة معتدية بعد عرض مشاهد المباني والمدن التي تعرضت للقصف.

أما العامل الثالث فهو الإخفاقات العسكرية على الأرض، حيث اعتقدت روسيا أن الأمر سيستغرق عدة أيام فقط للسيطرة على البلاد بأكملها. لكن هذا لم يحدث، ويرجع ذلك أساساً إلى أن الحكومة الأوكرانية كانت تتوقع مثل هذه الخطوة من الجانب الروسي، وبالتالي فقد أعدوا أنفسهم لذلك. كما أن الألوية الروسية راحت تغزو أوكرانيا من اتجاهات مختلفة دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة. ومما لا شك فيه أن القيادة العسكرية الأوكرانية تعرف جيداً كيف تستخدم قوتها العسكرية المحدودة بحكمة شديدة. فالأوكرانيون مستعدون لحرب استنزاف لأنهم يعلمون أنه كلما طالت مدة الحرب، زاد تآكل الجيش الروسي.

الجبهة الغربية

وهي العامل الرابع، فبوتين لم يتوقع أن تتعاون الدول الغربية وتتخذ إجراءات فعالة ضد موسكو. وبالتالي، فإن إعلان بوتين الحرب ضد أوكرانيا أثبت أنه مخطئ وعزز الجبهة الغربية. بل لم يقتصر الأمر على مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي فحسب، إنما قرر أعضاء الاتحاد الأوروبي أيضاً تشديد العقوبات ضد بلاده مع أن دولاً غربيةً عديدةً ترددت في اتخاذ إجراءات معادية لروسيا قبل إعلان الحرب، إلا أنه ومع بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا، حشدت جميع الدول الغربية تقريباً لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد موسكو. حتى سويسرا، وهي دولة محايدة منذ منتصف القرن السابع عشر، راحت تخطط لفرض عقوبات على روسيا.

وبعد التهديد المتزايد من روسيا، كان على بعض الدول المعتدلة نسبياً مثل ألمانيا اتخاذ موقف ضد موسكو، بينما تفكر بعض الدول المحايدة مثل فنلندا والسويد الآن في الانضمام إلى الناتو. وقرر الاتحاد الأوروبي إرسال دعم مالي ضخم لأوكرانيا لتمكينها من الحصول على أسلحة في حربها مع روسيا. لقد اتحدت الدول الغربية في اتخاذ إجراءات عسكرية وسياسية واقتصادية ومالية فعالة، وقامت بفرض عقوبات على روسيا. وبعبارة أخرى، نجح بوتين من حيث لم يقصد في تقوية الكتلة الغربية المناهضة لبلاده.

استراتيجية حافة الهاوية

في الختام، يلعب بوتين استراتيجية حافة الهاوية مع الدول الغربية. لقد ظل يخاطر ويصعد التوتر ومستوى الصراع في الأزمة الأوكرانية، إلى أن تلقى استجابة قوية من الغرب والعالم. وبالنظر إلى الإجراءات التي لم تتخذها الدول فحسب بل المنظمات الدولية أيضاً، تم عزل روسيا عن العالم. كما أن تلميح بوتين بالاستخدام المحتمل للأسلحة الاستراتيجية النووية التي لا يمكن تصور تأثيرها، سيجعل العديد من الأمور تسوء لروسيا في أوكرانيا.

ولا يسعنا القول أكثر من أن وتيرة الأحداث واتجاهها الحاليين تشيران إلى أن روسيا ستخرج من الحرب معزولة وضعيفة وأكثر عرضة للخطر.

 

 

 

 

تسميات