2020_Mart_anadoluimages_19404049

فرصة جديدة لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوربي

لن تقف الجهود الدبلوماسية التي تسارعت عقب سحب تركيا لسفينة "عروج ريس" من شرق المتوسط للصيانة عند حد خفض التوتر بين تركيا واليونان فحسب، بل ستقدم كذلك فرصة لتحسين العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

حلت المفاوضات والحوار محل التوتر المتصاعد شرقي المتوسط. فقد عقد الرئيس أردوغان قمة ثلاثية جمعته بالمستشارة الألمانية ميركل، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في الثاني والعشرين من أيلول الجاري، تلتها مباحثات مع الرئيس الفرنسي ماكرون. في اليوم التالي ساد مناخ من التفاؤل بعد إطلاق المباحثات الاستكشافية بين أنقرة وأثينا، نتيجة المباحثات التي أجرتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع الأمين العام لحلف الناتو ستولتنبرغ. وقد كان لرغبة المستشارة ميركل في تحسين العلاقات مع تركيا، خلال فترة توليها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي وتقدير الرئيس أردوغان لهذه الجهود عظيم الأثر في فتح قنوات الحوار.

من ناحية أخرى؛ سرع فشل مساعي ماكرون لتجييش الاتحاد الأوروبي ضد تركيا، باسم التضامن الأوروبي، عملية الحوار. إذ لا يتفق الجزء الأكبر من الدول الأوروبية مع ادعاء الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند “بأن أكبر تهديد لأوروبا قادم من تركيا”. فالتخوف الأكبر لدى دول شرق أوروبا هو من الضغط الروسي المتزايد على أوروبا، وملف اللاجئين. أما دول جنوب أوروبا؛ فتدرك أنها بحاجة إلى التعاون مع تركيا في الملف السوري والليبي وشرق المتوسط وفي مجال الطاقة. وترى أن مقترح إنهاء مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الذي طرحته النمسا، يتعارض مع مصالحها القومية. ولا تصوب قيام اليونان وجنوب قبرص بأسر السياسة الخارجية الأوروبية.

لن تقف الجهود الدبلوماسية التي تسارعت عقب سحب تركيا لسفينة “عروج ريس” من شرق المتوسط للصيانة عند حد خفض التوتر بين تركيا واليونان فحسب، بل ستقدم كذلك فرصة لتحسين العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

يجب أن تثمر المباحثات بين أنقرة وأثينا على الأصعدة الثلاثة: الاستكشافية والسياسية والعسكرية عن مفاوضات شاملة. حيث يجب أن تُطرح كافة المشاكل العالقة في العلاقات الثنائية بدءاً من تسليح جزر بحر إيجة، مروراً بمسألة غرب تراقيا، ومشكلات بحر إيجة الأخرى إلى المسألة القبرصية، ومجالات الصلاحية البحرية شرقي المتوسط على طاولة المفاوضات.

على أثينا أن تعي أنه إذا انقطعت تركيا عن الاتحاد الأوربي، فإنها ستواجه المزيد من المشكلات التي يجلبها موقعها الجغرافي على حدود الاتحاد الأوربي. حيث سيختل اقتصادها أكثر بفعل ضغط سباق التسلح.

يصب تحويل بحر إيجة وشرق المتوسط إلى “بحر السلام والتشارك” في مصلحة أثينا وأنقرة. ومن الواضح أن ذلك سيكون أمراً شائكاً جداً.

يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقدم مساهمات لإنجاح المباحثات التركية اليونانية، بعزم يراعي مصالحه الاستراتيجية بعيدة الأمد. بالمثل؛ يجب أن يتواصل عزم ألمانيا على تحسين العلاقات مع تركيا، من قبل البرتغال التي ستتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، بدءاً من يناير 2021. يمكننا القول إن أمامنا فترة 9 أشهر من الفرص. القضايا المطروحة على الطاولة هي: تحديث الوحدة الجمركية، تجديد اتفاق الهجرة، الاعفاء من التأشيرة، فكرة عقد مؤتمر شرق المتوسط.

فكرة عقد مؤتمر شرق المتوسط كان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال قد طرحها مسبقاً. وكان أردوغان قد قدم دعماً قوياً لهذا المقترح في كلمته في الاجتماع السنوي الخامس والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً: “نعرض تنظيم مؤتمر إقليمي تُراعى فيه حقوق ومصالح كافة بلدان المنطقة، ويشارك فيه القبارصة الأتراك”.

ما يقع على عاتق ساسة الاتحاد الأوروبي هو التعاون مع أنقرة لإنضاج فكرة مؤتمر شرق المتوسط. سيمثل هذا المؤتمر طريقة لإظهار أن المعاهدة التي وقعتها مصر وإسرائيل واليونان وجنوب قبرص وإيطاليا والأردن لتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط كمنظمة إقليمية ليس مجرد عداء لتركيا. سيكون لهذا المؤتمر إسهامات مهمة في تحويل شرق المتوسط إلى “بحر السلام والتشارك” سواء عبر تقاسم الطاقة، أو من حيث التعاون الاقتصادي الموسع.

يجب ألا يتحول البحر المتوسط الذي هو مهد الحضارات إلى منطقة عسكرة وتوتر جيوسياسي جديدة. ستواصل تركيا كونها إحدى القوى المهيمنة في البحر المتوسط، ملتقى أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

نتمنى ألا يكون قادة الاتحاد الأوربي بسذاجة شخصيات كالسفير الألماني السابق في أنقرة اردمان المتمثلة في دعوته “للصمود حتى انقطاع أنفاس أردوغان”. وذلك لأن نفس أردوغان هو نفس تركيا، ولا ينقطع أبداً.

أقول لكم: استغلوا هذه الفرصة.

تسميات