حزب العدالة والتنمية

حزب العدالة والتنمية وشيفرات التحوّل الأيديولوجي

إن أهم قوة لحزب العدالة والتنمية منذ عام 2001 في موضوع الإصلاح هو كونه متقدمًا الأحزاب السياسية الأخرى دائمًا، وتموقعه الدائم حول التغيير والاستقرار بشكلٍ مستمرّ . وهذا التموقع نتيجة ادعاء حزب العدالة والتنمية وزعيمه بتغيير تركيا. وقد مرّ هذا الادعاء من عمليةٍ ديناميكية عاشت فيها المحاسبة والأزمات إلى جانب الإصلاح والانفتاح والترميم. وتأتي خطابات الحزب لإضفاء الشرعية على السياسات التي تشكّل جوابًا لآلام مخاض هذه العملية.

المدخل

يدور الجدل كثيرًا حول ماهية هوية حزب العدالة والتنمية الذي استطاع الوصول إلى سدّة الحكم بعد عامٍ واحدٍ فقط من تأسيسه، واستطاع البقاء في الحكم بمفرده على مدار خمسة عشر عامًا- وحول أيديولوجيته، وماهية التحوّل الذي طرأ عليه. ويدور هذا الجدل في الداخل والخارج، في سياقٍ مفاده: “إلى أين يريد حزب العدالة والتنمية أن يأخذ تركيا؟”. ولا تخلو الأجندات من انتقاداتٍ أيديولوجية كثيرة في هذا الإطار. وتمتد حدود هذه الانتقادات من انتقال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية من (حرب بالوكالة) إلى (محور أوراسي منقطعٍ عن الغرب). وتتناول هذه الانتقادات واسعة الطيف تعريفات حزب العدالة والتنمية، وتمتد من(الإسلاموفوبيا الديمقراطية)إلى (الحكم الديني)، ومن (الثورة المضادة) إلى (الكمالية المتدينة). وقد ظهرت بالتزامن مع هذه الانتقادات انتقادات أخرى من قبيل (العودة إلى الإسلامية)[1] و(الانتقال إلى السلطوية)، ولاسيّما بعد أحداث دافوس 2009، وماوي مرمرة 2010. ولم يعد الإعلام الغربي يخلو من هذه الانتقادات بعد أحداث غزي بارك (منتزه تقسيم) العنيفة عام 2013. وفي خضم هذه الانتقادات المكثفة غفلت الأبصار عن أعمال حزب العدالة والتنمية (باعتباره لاعبًا)، وكيفية إضفائها معنًى على آرائه السياسية ومراجع هويته.

من الواضح أن هذا الحزب الذي يزعم أنه يبني (تركيا الجديدة) استطاع أن يجري العديد من التغيرات في السياسة التركية، خلال فترة حكمه على مدار خمسة عشر عامًا، في ظل الجدل والتساؤلات الدائرة حول موقع حزب العدالة والتنمية بين الاتجاهات الأيديولوجية الإسلامية والقومية والكمالية. ولا شكّ أن هذه التغيرات التي يقبل ماهيتها الجدل والنقاش تحتاج إلى تحليلٍ شاملٍ من حيث المحاسبة مع التحديث الكماليّ باعتباره الأيديولوجيا المؤسسة للجمهورية، ومستقبل العلاقات مع الحلفاء الغربيين، والتفاعل مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، والسياسات الموجهة للمشكلات الداخلية في تركيا.[2]

حصلت تحوّلات كبيرة في الخطوط المعروفة للسياسة التركية في عهد حكومات حزب العدالة والتنمية الذي استطاع تخطّي عددٍ كبيرٍ من الأزمات، منها أزمة رئاسة الجمهورية 2007، وبيان المذكرة الإلكترونية، ومحاولة انقلاب 15 تموز 2016. وإنّ أبعاد هذه التحوّلات الشاملة التي امتدت على مدار خمسة عشر عامًا بشكل يطال العلاقة بين العناصر المدنية والعسكرية والعلاقة بين السياسية والدين وتغيير النظام السياسي- واسعةٌ لدرجة أن المشكلات والتحديات الإعلامية التي أوجدتها يمكنها أن تشكّل موضوعاتِ أدبياتٍ مطولةٍ.

لهذا السبب أردنا أن يكون هدف دراستنا هذه محدودًا، وسنتناول خطابات الهوية والمراجع الأيديولوجية التي لجأ إليها حزب العدالة والتنمية من أجل تشكيل السياسات التي أراد تطبيقها عند إحداث التحوّلات في تركيا، آخذين بالحسبان التحوّلات التي حصلت في الخطاب الأيديولوجي (من حيث عامِلا الاستدامة والتغيير)، بفعل السياسات المتغيرة في سياق حقائق الظروف الإقليمية والدولية.

يدور هذ البحث حول موضوع أساسيّ، هو أن حزب العدالة والتنمية طرح ثلاثة خطابات متصلة ببعضها، من دون أن يتخلى عن أيّ منها، واضعًا بعين الاعتبار الاحتياجات الظرفية، وهي: الديمقراطية‏ المحافِظَة، وحضارتنا، والتحوّل إلى ما هو محليّ ومِلِّي[3]. ويمكن القول إن الخطابات الثلاثة هذه تستند إلى صورة زعيم قويّ وبراغماتّي قادرٍ على الردّ على التحدّيات التي ظهرت خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية على مدى خمسة عشر عامًا.

يشير التحوّل الأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية إلى ثلاث محاسبات مهمّة مع (الماضي)و(الحاضر). ويمكن تعداد المحاسبة مع الماضي على النحو الآتي: 1) حركة مِلّي غوروش (الرأي الوطني) التي انحدر منها القسم الأعظم من مؤسّسي الحزب. 2) الكمالية التي شكّلت عهد الجمهورية. 3) النظام الإقليمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الأولى، والذي خضع لتحوّلات كبيرة إبان الثورات العربية[4]. والمحاسبة مع الحاضر تتجلى في مواجهة الفوضى التي عمّت الشرق الأوسط بعد الثورات العربية، والقوى العظمى التي تسعى لرسم تصميم جديد للمنطقة، وصراعات القوى الإقليمية. ويمكن أن نضيف إلى هذه المواجهة، مواجهة حزب العدالة والتنمية مع أداء حكوماته، من باب الإشارة إلى محاولة انقلاب 15 تموز.

عندما نتناول هذه المحاسبات الأربع جنبًا إلى جنبٍ مع الخطابات الثلاثة المذكورة آنفًا في الإطار السياسي والأيديولوجي الذي يمكن أن نسمّيها مرحليًّا (الديمقراطية‏ المحافِظَة) و(حضارتنا) و(التحوّل إلى ما هو ملِّي ومحلّي)- فإننا نلاحظ أن حزب العدالة والتنمية يخلط من جديدٍ العناصر الإسلامية والقومية والغربية والعثمانية التي تشكّل الخطوط الأيديولوجية البديلة عن الحداثة العثمانية التركية. ولا ننسى أن المفاهيم والرموز التي تخص الطراز السياسي المذكور تُقدَّم في الأصل بشكل يدور حول مفهوم (الِملّيّة)، وذلك عبر دينامية تتغير تأكيداتها تبعًا للاحتياجات الدورية. فحزب العدالة والتنمية الذي بدا (غربيًّا) في الفترة التي زاد فيها احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، وبدا (شرق أوسطيًّا) و(أمَّتيًّا)[5] في أثناء الثورات العربية، و(ملِّيًّا مَحلّيًّا) في الفترة التي قاوم فيها محاولة انقلاب 15 تموز 2016… نعم، حزب العدالة والتنمية هذا يُبْرِزُ عنصرًا من هذه العناصر التي يحاول جمعها في هويته بما ينسجم وروح الفترة، من دون أن يتخلى عن العناصر الأخرى.

في هذه البحث سنشير أوّلًا إلى الأسس المشتركة للمراجع الأيديولوجية والهوية التي يستعملها حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه، وأبعاد التغيّر الذي طرأ عليها. وسنتناول ثانيًا الأوساط التي تشكَّلَ فيها خطاب الديمقراطية‏ المحافِظَة، والسياسات التي يشكِّل أساسها، ثم نتناول ثالثًا خطاب (حضارتنا) الذي أطلقه حزب العدالة والتنمية، الذي يتزايد شعوره بالقوة منذ عام 2007، ويعبّر عن ثقته بنفسه من سقفٍ عالٍ في أثناء الربيع العربي. وأخيرًا سنتناول كودات الخطاب المِلّيّ المحليّ الذي ظهر ردًّا على الاضطرابات التي حصلت في الشهور القليلة الماضية.

كما سنقيّم هذا الخطاب الناشئ من (وعي الوقوع تحت الهجمة) الذي بلغ ذروته في محاول انقلاب 15 تموز 2016، والذي شكّل مرجعًا (لمسألة البقاء)؛ فيما إذا جعل حزب العدالة والتنمية يتحوّل إلى حزب (دولانيّ) أو (ملِّيّ).

 

(الديمقراطية‏ المحافِظَة) باعتبارها بحثًا عن الانسجام والاندماج:

سلك حزب العدالة والتنمية طريقه عام 2001 مدّعيًا أنه سيأتي بفهم جديد للسياسة. فـ(الديمقراطية‏ المحافِظَة): العبارة التي تتردد على لسان رئيس الجمهورية أردوغان في كثير من خطاباته- لم تكن معروفة سابقًا، ولم يختر (الديمقراطية‏ الإسلامية)؛ لأنها تشير إلى الدِّين، بل استعمل كلمتي (المحافِظَة) للإشارة إلى تقليد المجتمع التركي واستمراريته، و(الديمقراطية)‏ للإشارة إلى تحوّل النظام السياسي والتحوّل الديمقراطي‏. وهكذا توجّه حزب العدالة والتنمية إلى استعمال مفهوم (الديمقراطية‏ المحافِظَة) من أجل تسمية نتائج مزاعمه بالجمع بين ما هو محلّي وعالَميّ، وبين الديمقراطية‏ والقيم الخاصة به، إضافة إلى تسمية هويته/ ونظرته إلى العالم[6]. كما أن هذا الخطاب الذي برز في الفترة التي تناولت فيها الأجندات المساعي الرامية إلى الاندماج بالاتحاد الأوربي وعملية التحوّل الديمقراطي‏- انعكاسٌ للجهود التي يبذلها حزب العدالة والتنمية لتعريف نفسه للسياسة الداخلية والنظام العالمي غربي المركز.

كما يعكس خطاب الديمقراطية‏ المحافِظَة الذي لا يقبل تصنيفه بـ(الإسلامي) الذي يتماهى مع تقليد مِلّي غوروش- إرادة حزب العدالة والتنمية في أن يطرح أصالته، وقدرته على محاسبة ذاته، ومحاسبة نظام الكمالية. ولا يمكن تقييد الفكر المحافظ كذلك بـ(تقليده الفكري الخاص به) و(قيمه المحلية)، بل يملك هدفًا محددًا وهو “إعادة إنتاج ذلك الفكر الخاص وتلك القيم المحلية بما يتماشى مع السياسة المحافِظَة بالمعايير العالمية”.

ترسم الديمقراطية‏ المحافِظَة السياسة على أنها مجالٌ للتوافق، وتعدّ الاختلافات ثراءً، وتجعل الإرادة الشعبية أساس السياسة والحكم. وتؤمن بضرورة بناء السياسة على مبدأ “التوافق والتكامل والتسامح مكانَ الصراع والتنافر والاستقطاب”[7].

شكّل مفهوم (الديمقراطية‏ المحافِظَة) الأرضية الشرعية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية لإخراج تركيا من عملية 28 شباط 1997، وذلك لتطهير السياسة من الاستقطاب، واتّباع سياسة تحتضن الجميع، أي تطبيعها، وتخطي الأزمات الاقتصادية المتبقية من عملية 28 شباط 1997، وتحقيق الليبيرالية الاقتصادية، والقيام بحملات تنموية، وتحقيق التحوّل الديمقراطي‏ بحسب معايير الاتحاد الأوربي‏.

حقّق حزب العدالة والتنمية تحوّلًا سياسيًّا خلال الفترة 2002-2007، من خلال الاستناد إلى خطاب الديمقراطية‏ المحافِظَة من جانبٍ، واستعمال عملية التفاوض للانسجام مع الاتحاد الأوربي‏ من جانبٍ آخر، وأبرز حتى أزمة رئاسة الجمهورية 2007 البعد (التوافقي) للسياسة. ولكن يجب ألا يخفى عن الأنظار أن (سياسة التوافق) هذه، جلبت معها محاسبةً خفيةً للوصاية الكمالية بفعل التحوّل المدني/ التحوّل الديمقراطي تماشيًا مع معايير الانسجام مع الاتحاد الأوربي‏. وعندما حاولت النخب الكمالية قطع الطريق على انتخاب رئيس جمهورية عقيلته محجبةٌ، وحلِّ حزب العدالة والتنمية عام 2007؛ اضطر هذا الأخير إلى الرد على (سياسة التوتر) التي اتّبعها العلمانيون. وهكذا اتضحت تدريجيًّا أبعاد (المحاسبة العلنية) مع الوصاية الكمالية بعد عام 2007[8]. أما مجابهة حزب العدالة والتنمية للتوترات من خلال صناديق الاقتراع وبالاعتماد على الإرادة الشعبية فقد جعلت استعمال التحوّل الديمقراطي‏ وخطاب الإصلاح ممكنًا إلى حين الاستفتاء الشعبي الذي جرى في 16 نيسان 2017.

كذلك قدَّمَ تحوُّلُ الديمقراطية‏ المحافِظَة إلى مفهوم إطارًا مغلقًا وعمليًّا ينسجم مع مقاربة التركيبة التي تبناها حزب العدالة والتنمية خلال الفترة 2002-2010. وحول هذا المفهوم اجتمع تطبيع الراديكالية العلمانية لفترة 28 شباط 1997 مع حملته نحو التنمية والليبيرالية الاقتصادية، وجهوده في التحوّل الديمقراطي‏، وسعيه للانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏[9].

يلاحظ أن حزب العدالة والتنمية يستعمل مفهوم الديمقراطية‏ المحافِظَة ليقول إنه يختلف عن مِلّي غوروش، وأن أبرز ما يميز حزب العدالة والتنمية عن ملّي غوروش أنه يؤكد ممارسة السياسة بعيدًا عن الدِّين، ويقلع عن انتقاد الغرب بالنمط الذي يتّسم به العالَم الثالث، ويتصالح مع مكتسبات الجمهورية، ويكتفي بتطبيع الممارسات العلمانية الكمالية في تحوّل الدولة. ويجب أن نعدّ حملته التي تقوم على (الخدمة) في الشؤون البلدية عام 1994 أمرًا متبقّيًا من عهد حزب الرفاه ومستمرًّا إلى وقتنا الحاضر. وينبغي هنا تأكيد أن رجب طيب أردوغان يومها حقّق نجاحًا كبيرًا في إدارة شؤون بلدية إسطنبول، وفتح لحكومة حزب العدالة والتنمية وكادره منظورًا أدائيًّا يعتمد على الفعل. لذلك كانت (الخدمة) و(العمل) و(التنمية) معايير الشرعية الدائمة التي لا تتغير على مدار خمسة عشر عامًا من حكمه للبلاد[10].

من الواضح أن تعريف حزب العدالة والتنمية نفسه بـ(المحافظ) يشمل تقاليد أحزاب سياسية يمينية، مثل خط مندرس وأوزال، لكنه لم يكتف بهذا؛ لأنه جليٌّ جدًّا أنه يملك منظورًا يراعي الحساسيات الدينية، رغم أنه لا يمارس سياسةً تستند إلى الدين، واضعًا نصب العين التحوّل الذي شهده حزب الفضيلة. وهكذا بلغ حزب العدالة والتنمية بنية تركيبية تضمّ المحافظين والقوميين والإسلاميين والغربيين الذين يشكّلون عصب الحياة السياسية في تركيا. واستطاع أن يدافع عن الانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏ في فترةٍ تصاعدت فيها شبهات الكماليين حول إمكانية حصول هذا الانضمام. وأولى أهميةً للمطالب الإسلامية مثل الحجاب والتعليم الديني من جانبٍ، وتبنّى علنًا من جانبٍ آخر العلمانية بصيغتها الأنكلوسكسونية[11]. واستطاعت هذه الحركة السياسية الجديدة المتشكلة بقيادة أردوغان أن تفتح لنفسها مكانًا واسعًا في المركز.

من المعلوم أن كلمة (المحافظ) في تركيا تُستعمَل أيضًا للدلالة على حماية الوضع الكمالي الراهن. فلا يُلاحَظ أن حزب العدالة والتنمية يهدف إلى ترك المبادئ الأساسية للجمهورية في أثناء عملية التحوّل على المدى البعيد، وإن صحّ أنه يربط هويته بتحوّل النظام القائم. فاكتفى بتصفية النخب الوصائية الكمالية، والإتيان بفهم للدولة التي تضع الشعب في سلّم أولوياتها، وبانتقال العلمانية إلى علمانية أنكلوسكسونية تتصف بأنها أكثر نعومة وليونة. ومن هنا يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية منذ البداية يدافع عن الفكر المحافظ الذي يأتي بمعنى (ترميم) الجمهورية، وتحويل الدولة إلى دولة قوية.

قبل عام 2013 عُدَّ التحوّل الديمقراطي‏ وتوسيع الحريات طريقًا لتعزيز الدولة وتقويتها. وقد عزّزت عملية التفاوض للانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏ إرادة التحوّل الديمقراطي‏، وواصل حزب العدالة والتنمية طريقه لتحقيق التحوّل الديمقراطي‏ رغم أن هذه العملية توقفت فعليًّا بعد عام 2006، مبيّنًا أن معايير كوبنهاغن هي في الأصل (معايير أنقرة). وفي هذه الأجواء جرى استفتاء 2010، لكنّ تسرّب عناصر حركة غولن المعروفة بتنظيم غولن الإرهابي إلى مؤسسات الدولة، وقيامها بمحاولة انقلابية في القضاء 17-25 كانون الأول/ ديسمبر 2013، أدّيا إلى ظهور حاجةٍ ماسةٍ من قبيل (تطهير المؤسسات وتعزيزها). واضطر حزب العدالة والتنمية إلى إعطاء الأولوية لتعزيز المؤسسات ومكافحة الإرهاب من أجل ترسيخ الديمقراطية. ‏[12]

حملت الإصلاحات التي حصلت في إطار الانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏ تركيا على مواجهة حقائقها الواقعية، وأتاحت محاولة انقلاب 15 تموز 2016 الفرصة أمام حزب العدالة والتنمية لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة للانتقال إلى النظام الجمهوري الرئاسي. وهنا يوجد تناقضٌ كبيرٌ؛ فمن جانبٍ يُوصَف حزب العدالة والتنمية (بالكمالية الجديدة) و(المحافظ على الوضع الراهن) بمعنى امتلاك مؤسسات الدولة، ومن جانب آخر يصفه حزب الشعب الجمهوري (هادمًا)؛ لأنه أبدى الجرأة للانتقال إلى نظامٍ سياسيّ جديد[13].

وينشأ هذا التناقض في واقع الأمر نتيجة التحوّل الذي أحدثه حزب العدالة والتنمية في تعريف (المحافِظ). بتعبير آخر، هو تناقض ناشئ عن التركيب الجديد الذي أنتجه بين التغيير والحفاظ على الوضع الراهن. فالدوافع الكامنة وراء دوره بوصفه لاعبًا سياسيًّا تستند إلى النضال والحركية المستمرة. ويمكن القول إن سعيه وراء التركيب وإعادة التعريف قد طال المفاهيم الأخرى التي جيّشها حزب العدالة والتنمية للتعبير عن هويته. فجميع المفاهيم التي يستعملها يتناولها بصيغة مغلقة، وعندما يملؤها يضفي عليها اللون الخاص به، ويحرص على ألا يكون هذا المحتوى حادًّا وراديكاليًّا وإقصائيًّا وتهميشيًّا. ولا ننسى أن كلمة (المحافِظ) تتطلب التكامل مع أوربا‏ والانفتاح على العالم. وهذا الانفتاح ليس اجتثاثًا راديكاليًّا، بل عملية تعزز القيم (المحلية- الداخلية). وعندما ركز حزب العدالة والتنمية على مفهوم الحضارة أراد أن يستند إلى (القيم الملية) القوية باعتبارها بوتقةً تصهر ما هو عالمي. وعرّف كلمة (مِلَّة) -سواء أكانت بصيغة (حضارتنا) أم بصيغة (المحلية والملية)، [أي سواء ببعدها الحضاري أو بمدلولها الوطني]- على أنها وحدةٌ تحتضن الإثنيات المختلفة ولا تهمّشها. وتأكيده شعار: (شعب واحد، علم واحد، ملة واحدة، دولة واحدة) لا يعدو كونه تأكيدًا ناجمًا عن وعيه بأنه معرّض للهجوم والاعتداء. وهكذا يستطيع الانتقال من الديمقراطية‏ المحافِظَة إلى مفهوم (حضارتنا) أو العودة إلى الثنائي (المحلي الملّي). ولا شك أن أردوغان وقياديته القوية وقدرته على إقناع قاعدته الشعبية جميعًا يؤدّي دورًا مهمًّا في تأمين هذا الانتقال وهذه الحركية. وقد لوحظ أن حزب العدالة والتنمية في فترة الثورات العربية التي بدأت بثورة الياسمين في تونس نهاية عام 2010، أظهر عنوانه المتمثل بـ(حضارتنا) بشكلٍ يعكس ثقته بنفسه، ومن دون أن يتخلّى عن خطاب الديمقراطية‏ المحافِظَة.

 

خطاب (حضارتنا) انعكاس للثقة:

في بدايات الثورات العربية كان حزب العدالة والتنمية في ظروف مريحة، سواء من حيث قدرته على إدارة السياسة الداخلية في تركية أم من حيث علاقاته مع اللاعبين البارزين في النظام الدولي. والعلاقات التي تدهورت مع إسرائيل بسبب أزمة (ون مينيت) في دافوس عام 2009، وهجمات ماوي مرمرة 2010، لم تكن قد تحولت بَعدُ إلى انتقادات لاذعة موجهة لتركيا في الإعلام الغربي. حتى إن أوباما الذي انتُخِب رئيسًا عام 2009 عدّ في رسائله (اللامعة) التي وجّهها إلى العالم الإسلامي أن “الثورات العربية اتّحدت مع شعارات الحرية والكرامة”؛ ووصف تركيا عام 2011 بأنها “الدولة النموذج”[14]. وقد كُتِب النجاح في الجدل الدائر حول هذه الدولة النموذج في خانة حزب العدالة والتنمية. فالإعلام الغربي كان يقدّم إدارة حزب العدالة والتنمية للعالم الإسلامي ودول الجوار على أنّها حكاية تحوّل ناجحة من حيث “التنمية والتحوّل الديمقراطي‏ والعلاقات مع الغرب”. وعدّه (الإسلاميون القدامى) نموذجًا يُقتدَى به من حيث اعتدال الحركات الإسلامية أو (تحوّلها الديمقراطي)‏. وكانت تركيا التي أبدت إرادة لحلّ مشكلاتها مع دول الجوار، توسّع ادعاءاتها وانفتاحاتها في السياسة الخارجية من خلال (التعاون الاقتصادي) و(الاستقرار). وكانت تعرف أن الثورات العربية التي تكلّلت بالنجاح في تونس ومصر سوف تنتشر في بقية الدول العربية، لكنها لم تكن تعرف أن الحرب في سوريا ستتحول إلى حرب دامية إلى هذه الدرجة. هذه الأجواء أدّت إلى تحولاتٍ شاملةٍ ورنانةٍ تخاطب دول الجوار بالخطابات الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية. فبرز مفهوم مغلقٌ رنّانٌ آخر من دون الاستغناء عن خطاب (الديمقراطية‏ المحافِظَة) التي تهدّئ السياسة الداخلية وتبدي انسجامًا مع العالم الخارجي، ألا وهو مفهوم (حضارتنا).

وضع رئيس الوزراء أردوغان خطاب حزبه الأيديولوجي الجديد في منظور حضاري، كما يتبين من كلمته التي ألقاها في المؤتمر الكبير العادي الرابع لحزب العدالة والتنمية بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2012. فقد ورد في هذه الكلمة مفهوم (الديمقراطية‏ المحافِظَة) مرةً واحدة، وتكررت كلمة (الحضارة) بالمقابل أربع عشرة مرة! فجاءت أحيانًا بمعنى أسس القيم الملية والمعنوية، وأحيانًا بمعنى أنها تخصّ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وأحيانًا أخرى بمعنى القيم الإنسانية المشتركة.

كما تطرق أردوغان في كلمته إلى الرموز التاريخية لـ(الشعب العظيم) والقيم الدينية المحافِظَة، ولفت الانتباه إلى وحدة الأتراك والأكراد وتاريخهما المشترك، وجاء على ذكر رؤية 2071 تذكيرًا بمرور ألف عام على معركة ملاذكرد 1071. هذا التوجه الجديد أكّد (مهمة) تركيا الجديدة، وأن حزب العدالة والتنمية يشدد على (الخدمة) التي تركز على التنمية الاقتصادية والمشروعات الملموسة. [15]

ويمكننا القول: إن خطاب (حضارتنا) الذي أطلقه حزب العدالة والتنمية يتضمن مساعيه لإعادة تعريف مفهوم (المِلَّة) في سياق مسؤوليات تركيا أمام دول الجوار. هذا التعريف يؤكّد التاريخ المشترك للأتراك والأكراد، ويعكس بالدرجة نفسها الثقة بالنفس الموجودة لدى حزب العدالة والتنمية الذي سيّرَ عملية الحلّ مرتين على أمل أن يترك حزب العمال الكردستاني (PKK) أسلحته. فحقوق الهوية الفردية التي رفضتها القومية الإقصائية الكمالية اعتُرِف بها في عهد حزب العدالة والتنمية كما تعلمون. وقد عزا أردوغان الذي أبدى استعداده لتجرّع (السّمّ) من أجل تلبية مطالب الأكراد- جهوده هذه إلى تجربة العيش المشترك التي يمتد تاريخها إلى العهد السلجوقي ومعركة ملاذكرد. لكن أردوغان أصبح فيما بعد الزعيم العازم على مكافحة الإرهاب بسبب استغلال حزب الشعوب الديمقراطي‏ (HDP) السياسة لتعزيز البنية التحتية للإرهاب، وانتهاء عملية الحلّ بعودة عناصر حزب العمال الكردستاني إلى العمليات الإرهابية. وقد عارض أردوغان بشدةٍ استغلال عملية الحلّ لبناء سيادة مسلّحة في جنوب شرق تركيا، في الوقت الذي كانت فيها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)/ حزب العمال الكردستاني (PKK) تبني إقليمها في شمال سوريا. فأطلق أردوغان حملة قاسية لمكافحة عناصر حزب العمال الكردستاني، ورفع الحصانة عن نواب حزب الشعوب الديمقراطي‏ الذي يدعم الإرهاب.[16]

إن تأكيد أردوغان (حضارتنا) يشير إلى الظلم في النظام العالمي، وإلى الرغبة في وضع العلاقات مع الغرب في مسار جديد صحيح. فأردوغان عندما ندّد بالهجوم الإسرائيلي على غزة خلال الفترة 14-21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، انتقد مجلس الأمن بالأمم المتحدة وأعضاءه الخمسة الدائمين، والولايات المتحدة الأمريكية. ودعا في الكلمة ذاتها منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية إلى أن تؤدّيا دورًا فاعلًا، فأظهر أن تركيا (لاعبٌ) في العالم الإسلامي.[17] إن اللغة التي استعملها حزب العدالة والتنمية والتي تنحاز إلى الحضارة قرأها بعض الكتّاب على أنها “تشكيل لفكر قوميّ جديد”[18]. نعم … مسيرة التحوّل الأيديولوجي التي بدأت بالديمقراطية‏ المحافِظة لم تسلم في مراحلها كافة من انتقادات (انحيازها للفكر القومي). والتضليل الذي أحدثته هذه الانتقادات يتمثل في أنها ربطت دائمًا شعور (نحن) المشترك الذي يسعى حزب العدالة والتنمية إلى بنائه، بالقومية الإقصائية. يعمل حزب العدالة والتنمية في موضوع الانتماء وإنتاج الهوية بحيث يعيد تكوين مضمون كلماتٍ معروفةٍ، مثل (مِلَّتْ/ الملة) في إطار مفاهيمه الأيديولوجية الخاصة به. ولا يجب خلط هذا المضمون مع مفاهيم المجموعات التي يتحالف معها سياسيًّا بشكل دوري. فمثلًا عندما بدأ حزب العدالة والتنمية عملية التفاوض للانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏ ادّعى أنّه استعمل مفاهيم المجموعات الليبيرالية والغربية التي يشعر أنها قريبة منه، من دون أن يتخلى عن (وقفته المحلية والملية).

مفهوم (حضارتنا) الذي تبناه حزب العدالة والتنمية لا يعبّر عن (الاندماج مع الحضارة الأوربية) ولا عن كونه (ندًّا للغرب) ولا عن (الانتماء إلى الحضارة الإسلامية)؛ بل هو قراءةٌ ترى فرص وضرورات الإحداثيات الإستراتيجية والتاريخية والاقتصادية والثقافية لتركيا، أي أنه يستند إلى مقارنة مفادها: (هذا وذاك في آن واحد). وهكذا اعتقد حزب العدالة والتنمية أنه قادرٌ على الانضمام إلى الاتحاد الأوربي‏، وتحقيق مزيد من الاندماج مع العالم الإسلامي. لهذا السبب لا يُفهَم من التصريحات الإيجابية التي قدّمها حزب العدالة والتنمية في الفترة التي شهدت علاقات طيبة مع الاتحاد الأوربي‏ أنه (موالٍ لأوربا)، ولا يُفهّم من الانتقادات التي وجهها للاتحاد الأوربي‏ حين تخلّف عن دعمه تركيا في مكافحة الإرهاب، أن حزب العدالة والتنمية (معارض لأوربا)‏؛ لأن حزب العدالة والتنمية مع تقييم تركيا بجميع انتماءاتها وارتباطاتها. ومن أجل بناء هذا الإطار الواسع أقبل على سلسلةٍ من المحاسبات. فدخل أوّلًا في محاسبة مع الخطابات الإسلامية التي تطلقها بلدان العالم الثالث، ونقل العلاقات مع الغرب إلى ما يمكن قوله بـ(الاندماج الانتقادي) بعد أن كانت في مستوى المعارضة، ومن هنا يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية بتشديده على التحوّل الدولي الذي ظهر في مفهوم (حضارتنا) أراد أن يتمّ وصفه (بالعالَمي) الجديد الذي يرفض المركزية الأوربية والعالم الثالث.

نعم، يشير بحث حزب العدالة والتنمية هذا عن تركيبٍ جديدٍ إلى الجهود التي يبذلها من أجل إنتاج نموذجٍ جديدٍ لعلاقاته مع الغرب. فمن جهةٍ يعير اهتمامًا بالحلفاء الغربيين، مثل الاتحاد الأوربي‏ وحلف الناتو، ومن جهةٍ أخرى ينتقد النظام العالمي غربيّ المركز، ويجذب الانتباه إلى النظام العالمي القائم وأبعاده (المجحفة) بحق البلدان المتخلفة والبلدان الإسلامية على صعيد منطقة الشرق الأوسط، في خطوةٍ لبناء نظامٍ عالميّ جديد. مع ذلك، قد تطال الانتقادات حزب العدالة والتنمية بأن خطاباته التي (تعبث) بحدود الدول القومية في منطقة الشرق الأوسط من منظور حضاري؛ تهمل الحقائق الإقليمية، ويهمل إلى حينٍ التهديد الذي يشكله YPG/ PKK الذي نقل الحرب في سوريا إلى حدود تركيا.

إن الادّعاءات المتعلقة بخطاب (حضارتنا) ذات صلة قريبة بالأجواء الإيجابية التي خلقتها الثورات العربية وعملية الحل. في هذه الأجواء أطلق حزب العدالة والتنمية هدفًا يريد تحقيقه، وهو بناء (تركيا الجديدة)، باعتباره نتاج تصوّرٍ بأن تركيا باتت في موقعٍ تصمّم اللُّعبة في المناطق المجاورة. لكن الفترة 2013-2016 اتّسمت بحصول عدد من التطورات التي لا تصبّ في مصلحة النظام الذي تخيّلته تركيا من أجل الشرق الأوسط. ويمكننا أن نذكر أهمّ أمثلة هذه التطورات على صعيد السياسة الخارجية: الانقلاب على مرسي رئيس الجمهورية المنتَخَب في مصر، وتغيّر توازنات الحرب في سوريا لمصلحة الأسد نتيجة الدعم الروسي، وإقدام PKK-YPG على بناء ممرٍّ في شمال سوريا بذريعة محاربة داعش، وقيام التحالف الإماراتي السعودي المصري بفعاليات مناهضة لتركيا، وتأجيج التنافس السعودي الإيراني للصراعات الإقليمية. أما على صعيد السياسة الداخلية فيمكننا أن نذكر على سبيل المثال: أحداث غزي بارك، والمحاولة الانقلابية عن طريق القضاء 17-25 كانون الأول/ ديسمبر 2013، وأحداث 6-8 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، والفوضى السياسية الناجمة من انتخابات 7 حزيران/ يونيو 2015، وعودة PKK إلى العمليات الإرهابية، وانهيار عملية الحل، ومحاولة انقلاب 15 تموز 2016. ويلاحظ أن هذه الأحداث التي حصلت على الصعيدين الداخلي والخارجي عزّزت تصوّر حزب العدالة والتنمية بأنه (تحت الهجمة)، وهو المستهدف، وعمّقت من ثَمّ حسّه بالنضال والمقاومة. فاكتسب خطاب (رابعة والتحوّل إلى المحلي والملي) أهميةً، باعتباره انعكاسًا لقناعة حزب العدالة والتنمية بأنه يحارب ثلاثة تنظيمات إرهابية، ويخوض حرب استقلال جديدة.

خطاب النضال والمقاومة: (المحلّيّ والملّيّ):

المرحلة النهائية في التحوّل الأيديولوجي في حزب العدالة والتنمية، هي خطاب (المِلّي والمحلي) الذي عُبِّرَ عنه بإشارة رابعة (ملة واحدة، راية واحدة، وطن واحد، دولة واحدة)، فقد أضيفت إشارة رابعة إلى الميثاق في المؤتمر الأخير للحزب. استُخدِمت كلمة (محلي) بمعنى (الالتزام بالقيم المحلية) سواء في خطاب (الديمقراطية المحافظة) أو في (حضارتنا الخاصة). ويأتي (الملّي) في الفترة الأخيرة بمعنى حساسية (الشعور الوطني) تجاه (مسألة بقاء تركيا)، ويحمل مسؤولية (المقاومة ضد الهجوم الخارجي)، و(الإصرار على تطهير الداخل من الخونة والارهابيين).

وبهذا الاعتبار، يمكن الرجوع في ظهور تركيز حزب العدالة والتنمية على (المِلّي والمحليّ) في خطابه الأيديولوجي إلى أحداث عنف غزي بارك 2013[19] والانقلاب القضائي في 17-25 كانون الأول 2013. ولا شكّ أن نقطة الذروة شكلتها المقاومة في 15 تموز 2016.  وبالتوازي مع تصوّر بداية حملة هجوم غربي المركز تَحَوَّلَ (الالتزام بالملِّيَة والمحلية) إلى هوية مقاومة. وقد استعمل هذا الخطاب بداية ضد تنظيم غولن الإرهابي حين كانت عملية السلام مستمرة، ثم أصبح الموضوع الأكثر شيوعًا بعد استئناف حزب العمال الكردستاني الإرهاب في تموز 2015.  وقد حولت مقاومة 15 تموز خطاب (المِلّي والمحلي) في الواقع إلى القيمة المركزية للسياسة التركية. واضطرت الأحزاب والقيادات إلى اتخاذ موقع لها وفقًا لمفهوم (الملّي) الجديد. كما أن المواقف المتناقضة التي ظهرت من العواصم الغربية ليلة الانقلاب وضعت حدًّا لهيمنة (السياسة المستغربة) على الحياة السياسية التركية والمستمرّة لأكثر من قرن، [وقام على أساسها مفهوم (المحلي)]. وتسارعت عملية مراجعة علاقة التحالف مع الغرب، والذهاب إلى تعريف جديد لهذه العلاقات [20].

والقضية المثيرة الأخرى تكمن في اكتساب كلمة (المحليّ) مفهومًا جديدًا في سياق النضال ضد تنظيم غولن الإرهابي في الفترة الممتدة بين عمليات 17-25 كانون الأول 2013 ومحاولة 15 تموز 2016 الانقلابية. فقد أصبح واضحًا أن هذا التنظيم؛ رغم مظهره الديني ومزاعمه، لم يكن ولاؤه لتركيا، بل بالعكس، كان يقدّم خدماته للاستخبارات الأجنبية. إضافة إلى أن (الانفصال عن المحلي) كان أشدّ الأمور الحرجة التي ميّزت حركة غولن بين الحركات الدينية في تركيا[21]. وهكذا ظهرت معاني (تفضيل المصالح التركية) و(عدم خيانة الدولة) عناصرَ حيةً في مفهوم (المحلي).

كما تحوّلَ تعريف (المِلّي والمحلي) الذي صِيغَ انطلاقًا من (الروح الملِّيَّة) التي تبلورت خلال اللقاء الجماهيري لحزب العدالة والتنمية في يني قابي إلى اسم سياسي لتحالف حزب العدالة والتنمية حزب الحركة القومية. وتحقّق استقطاب سياسي لم تشهده الحياة السياسية التركية من قبل. ومن هنا مُرِّرَ النظام الرئاسيّ[22] في البرلمان بوصفه نموذجًا لرئاسة ملِّيَّة محلِّيَّة في البداية، بفضل الدعم الذي منحه حزب الحركة القومية لرئيس الجمهورية بعد مقاومة 15 تموز 2016. وصدر القرار بـ(نعم) للانتقال إلى النظام الرئاسي في الاستفتاء في 16 نيسان 2017. وقد حمل النظام الرئاسي الذي صِيغَ للتخلص من مشكلات النظام البرلماني القائم- الهدف المتمثل في تلبية الحاجات الملِّيَّة لتركيا. ويُعتَقد أن هذا النظام يحمل (كولاج) الهوية الملِّيَّة الشاملة، إضافة إلى الحفاظ على سلامة البلاد وأمنها. ومن أجل التحالف بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في الطريق إلى النظام الرئاسي في 2019، استُعمِل مفهوم (التحالف الملّي المحلي) و(التحالف الجماهيري).

وهكذا، حُشِد خطاب (المِلّي والمحلي) من أجل مجموعة واسعة من المجالات، بدءًا من مكافحة الإرهاب ونظام حكومي جديد، إلى إنشاء شعور جديد بالوفاق، وذلك في سياق بيان الهوية والموقف السياسي، وبهدف العثور على لغة شاملة بنّاءة. ووفقًا لهذا التوجه في الخطاب الجديد للحزب، وكما حصل في استخدام مفهومَي (الديمقراطية المحافظة) و(حضارتنا) من قبل؛ لاتزال الإرادة مستمرّة لتحويل تركيا إلى تمثيل دورٍ فعالٍ في النظام الدولي، يتجاوز كونه هوية الحزب، فهو يشير إلى رغبة التحوّل إلى صفة مثالية لتركيا المشتركة بين مختلف الشرائح.

يُستخدَم خطاب (المِلّي والمحلي) منذ 2013 لتعريف الردّ على التحديات التي تواجهها تركيا ومواجهة الهجمات ضدها؛ أي لتعريف المقاومة. ويكمن في جوهره (أن تكون تركيًّا)، أي (الوعي على أولوية مصالح تركيا). ففي خطاب المقاومة هذا يُصوَّر حزب العمال الكردستاني وتنظيم غولن الإرهابي (أداتَيْنِ) بيد القوى التي تريد تقسيم تركيا. وتُنتَقد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الداعمة للتنظيمين الإرهابيين المذكورين لتصرفاتها المخالفة لـ(قانون التحالف) والمطالبة بتغيير سياساتها. ورسالة رئيس الجمهورية أردوغان: “نحن نتدبر شؤوننا بأنفسنا” [وبعبارة أخرى ننزع شوكنا بأيدينا]؛ تستند من جانب إلى واقعية ترتبط بانقطاع الدعم المتوقع من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتؤسس من جانبٍ آخر لأرضية مشاعرَ تجعل قرار النضال في سبيل حل مشكلات تركيا قرارًا مثاليًّا.

يمكن أن يقال عن خطاب (المِلّي والمحلي) الذي قدّمه حزب العدالة والتنمية بأنه لا يزال يحمل شكلًا غامضًا في هذه المرحلة. لكن بقاء هذا الخطاب غامضًا لا يشكّل مشكلة طالما أن الحزب لم ينشئ هويته أبدًا في قالب أيديولوجي صارم منذ 2001.  بل تُمكِن الإشارة كذلك إلى أنه بوصفه حزبًا براغماتيًّا يأمل في الاستفادة من هذا الغموض. ومن الواضح رغم ذلك أن العديد من الشرائح الاجتماعية وبخاصة الأكراد، يرى أن خطاب (المِلّي والمحلي) يُستخدَم عادة في إضفاء الشرعية على السياسات الحاسمة، مثل مكافحة الإرهاب.

أقوى المبادرات الملموسة لحزب العدالة والتنمية في هذا الخصوص، كان في إضافته إشارة رابعة (ملة واحدة، راية واحدة، وطن واحد، دولة واحدة) إلى الميثاق في المؤتمر الأخير. لكنه من الواضح أن هذا التركيز على (وحدانية) عناصر الرباعي لم يُجْلِ هذا الغموض أيضًا. ويبقى سؤال (من أعدّ مضمون مفهوم الملّي والمحلي وكيف؟) يقف مسألة حرجة أمام حزب العدالة والتنمية. ويمكن القول إن هذا المجال شهد نوعًا من المنافسة، وسيكون ملء مضمون خطاب (المِلّي والمحلي) من قبل نمطٍ سياسيّ امتلك الإرادة الملية، وناضل ضد كل أنواع الوصاية، وأظهر مقاومته في 15 تموز 2016- دورًا فعّالًا في بلورة الحياة الديمقراطية.

في حين أن النهج القومي- الأوراسي الراغب في توجيه قوة مؤسسات الدولة وفق أجندة أيديولوجية محددة، متغذّيًا من الاضطرابات التي شهدتها السنوات الأخيرة- سيكشف الفئات التي تعتقد أنها خارج النظام.  كما أن هذا النهج سيتوجّه إلى تشويه نمط سياسة حزب العدالة والتنمية الشاملة التي ينتهجها منذ التأسيس. إن ملء (الهوية الملية) بالعداء الجوهري للغرب/ لأوربا، أو بالقومية المتجذرة بالعرقية سيكون له معنى بأن حزب العدالة والتنمية أسير أجندةٍ انفعاليةٍ منعزلةٍ. كما أن أحد شروط إدارة مكافحة الإرهاب بشكل فعال يكمن في منع سيطرة رد الفعل الإقصائي الكمالي على البيروقراطية الأمنية. وبالمثل، يوجد هناك خطر من قيام هؤلاء البيروقراط المنفعلين باسم مكافحة تنظيم غولن الإرهابي بتصنيف الجماعات الدينية مصدر (تهديد) للدولة. [23]

إن احتواء تعريف (الملّي) لدى حزب العدالة والتنمية الذي يحتضن مختلف الشرائح الاجتماعية بمعدله الانتخابي الذي وصل إلى 50% في مضمونه على المحلي والتعددي والمدني والديمقراطي- سيسهم في نقل حركته السياسية الخاصة إلى المستقبل أيضًا. ويشكّل التعريف المذكور تحدّيًا في تعريفه المصلحة مع (حلفائها) الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي الذي يتشاجر معه حول التأثير السلبي للحرب الداخلية في سوريا والعراق؛ لأن هذا التعريف يتمّ في فترة تشهد فيها تركيا توترات شديدة. وإلى جانب أنه لا يتم في ظروفٍ مناسبة كالظروف التي ظهرت فيها (الديمقراطية المحافظة) أو خطاب (حضارتنا الخاصة)؛ فهو يحمل كذلك أثقال خمسة عشر عامًا من السلطة. [24]

يرتبط تحديد محتوى الخطاب الملي والمحلي بالوجهة التي تتجه إليها المعارضة السياسية. فانشغال أجندات المعارضة السياسية بالخطابات (الراديكالية) و(الهامشية) التي تطلقها المجموعات المناهضة لتركيا- يشكّل أحد وجهَي الميدالية. أما الوجه الآخر فيتمثل في الخطر الناجم من جرِّ المعارضة إلى (القومية الشعبوية) من خلال استغلال وجود اللاجئين السوريين في تركيا. وأبرز علامات هذا الخطر يكمن في أن العديد ممن ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري يختلقون مشكلةً من قبيل: لماذا لا يعود السوريون إلى وطنهم ويحاربون بدلًا من العيش برفاهية في تركيا؟[25]. لهذا السبب يجب أن يأخذ تعريف حزب العدالة والتنمية للملّية إطارًا يحيّد به العبارات التي تطلقها المعارضة، من قبيل: “بينما يحارب الجنود الأتراك، يجلس الشباب السوريون في المقاهي ويشربون النرجيلة”، ولا يسمح بإقصاء وتهميش اللاجئين السوريين.

وإقدام حزب العدالة والتنمية على التحالف مع حزب الحركة القومية جعله محطّ انتقادٍ، فأضفى عليه صفة حزب الحركة القومية، ووصفه أيديولوجيًّا بـ(القومي التركي). وتستند هذه الانتقادات في فرضيتها إلى أن حزب العدالة والتنمية انتقل من الخط الإسلامي (الأمّتي) إلى الخط القومي. وعند النظر في إطارٍ أوسع يُلاحَظ أن الأجندات لم تتناول هذه الانتقادات في سياق حزب الحركة القومية فحسب، بل اعتبرت العَصَبَيْنِ القوميين الآخرين للسياسة التركية: (العصب الوطني الأوراسي، والعصب الكمالي العلماني) أثَّرا أيضًا في هوية حزب العدالة والتنمية وسياساته:

أولًا؛ هذا الجدل الدائر بأن حزب العدالة والتنمية قد انزاح نحو (القومية) باعتبارها التقليد السياسي الذي ينحدر منه؛ ليس جديدًا. فالساسة والمثقفون المحافظون تحدّثوا عن هذا الأمر في الفترة التي ظهر فيها تعريف (القومية). ويمكن أن نضرب أمثلة كثيرة على ذلك، منها: تبنّي مفهومي (القومي) و(المحافظ) في فترة حرب الاستقلال، وإن كان بألوان مختلفة، والتشديد على (التركي) من قبل نجيب فاضل قيصاكورك ونور الدين طوبجو، واستعمال حركة ملّي غوروش لكلمة (ملّي) منذ بداياته، والتحالف الذي أجراه عام 1991 مع حزب العمل القومي (MÇP).[26]

ثانيًا؛ يُصوَّر حزب العدالة والتنمية بأنه الطرف (المستسلم) في التفاعل مع الهويات والمجموعات (القومية) المختلفة. فبينما تُرسَم الهوية الأيديولوجية للمجموعات التي يتفاعل معها سواء أكانت المجموعات كمالية أم قومية على أنها الهوية (المهيمنة)؛ تُرسَم هوية حزب العدالة والتنمية على أنها مادةٌ لاتزال قيد التكوين. بيد أن المخيلة الإسلامية التي يتغذى منها حزب العدالة والتنمية أثّرت كثيرًا في المجموعات القومية التي تفاعل معها، وإن كانت بتدرّجات ناعمة. ويمكن القول إن هذا التأثير أعمق ولاسيّما لدى الشرائح المثالية. ولا ننسى أن حزب الحركة القومية، قُبَيل مقاومة 15 تموز 2016، انزاح خطه (الملّي) إلى قومية حزب الشعب الجمهوري العلماني. ويمكن القول إن التحالف الذي أجراه مع حزب العدالة والتنمية حال دون حدوث هذا الانزياح، وعزّز الصبغة (الإسلامية العثمانية) في تقليده المثالي. وخير مثالٍ على ذلك هو الدعم الذي قدّمه حزب الحركة القومية لأردوغان في ردّة فعله على إعلان الرئيس الأمريكي ترامب القدسَ عاصمة لإسرائيل. ويمكن أن نضيف مثالًا آخر، هو تأييد حزب الحركة القومية الانتقادات التي وجهتها حكومة حزب العدالة والتنمية إلى النظام العالمي القائم، باعتباره يمارس الظلم على العالم الإسلامي.

تتبلور العلاقة التي بناها حزب العدالة والتنمية مع القوميين حول مقاومة 15 تموز 2016. وفي مركزه التصورات السياسية للشرائح الإسلامية المحافظة، وحساسيات (الملَّة) و(الدولة) المندمجة في تقليدها. وضمن هذا الإطار المفهومي ينبغي أن نفهم استعمال أردوغان قوله: “إننا نخوض أكبر حربٍ من أجل الاستقلال، ومن أجل المستقبل بعد حرب الاستقلال”- في وصفه النضال ضدّ التنظيمات الإرهابية الثلاثة، وتشديده على (مسألة البقاء). وينبغي هنا أن نعلم أن (المقاومة) و(النضال) يستندان إلى مقاربة استيعابية لمفهوم (حضارتنا) أكثر من كونهما يستندان إلى منظور قومي.

في المؤتمر العادي السادس لحزب العدالة والتنمية بولاية أسكي شهير 2018 أشار أردوغان إلى تراكمات الحضارة التركية باعتبارها جذور روح المقاومة والنضال:

نحن حزب العدالة والتنمية نمثل حضارة غنية، وإن كنّا حركةً عمرها 17 عامًا. نحن ممثلو التقليد العريق الذي يمتدّ جذوره للماضي السحيق، أليس كذلك؟ جذور هذه الحركة في جبل حراء وملاذكرد ودوملوبينار وسقاريا وجنق قلعة. في أساس هذه القضية توجد وصية الشيخ أدب عالي، وشجاعة سيد أونباشي وعشق الخدمة عند حسن بولاتكان. نحن أحفاد السلطان محمد الفاتح الذي قال قولته ولما يتجاوز 21 عامًا: “إما أن آخذ بيزنطة أو تأخذني بيزنطة”… ونحن بالتأكيد نمثّل المتوكلين على الله الذين يقولون: “لا غالب إلا الله”.[27]

والبعد الآخر المحوري للتعريف الجديد الذي يطرحه حزب العدالة والتنمية لـ(الملّيّة) هو ماهية العلاقات المتغيرة مع الغرب. فالانتقادات الكثيرة التي وجهها أردوغان لأمريكا والاتحاد الأوربي‏ مؤخرًا خلقت نوعًا من جدلٍ مفاده: إلى أين تأخذ حكومة حزب العدالة والتنمية تركيا؟. وينتقد الإعلام الغربي لجوء تركيا إلى التعاون مع روسيا وإيران عندما تقتضي الحاجة في إطار حقيقة بقائها مضطرةً “لنزع شوكتها بيدها” في مكافحة الإرهاب بأنه “انزياحٌ للمحور” أو “الانفصال عن الغرب”. ولا ننسى أن محاولة إدارة ترامب لإعادة تعريف دورها العالمي حول شعار (أمريكا أوّلًا) أدّت إلى الغموض في النظام العالمي، وعدم الاستقرار، وصراع القوى. في هذه الأجواء تغيّرت بنية علاقات القوى العظمى والعلاقات عبر الأطلسي على حدّ سواء. وتأتي تركيا في مقدمة البلدان (الحليفة) التي خبرت هذه التغيرات. وكان لا بدّ لتركيا في فترة الغموض المقبلة أن تبني نظام خطاباتها وسياساتها التي تضمن مستقبلها. والأكثر من ذلك، يجب على حزب العدالة والتنمية الذي يواجه تحدّياتٍ في مقدمتها المشكلات الأمنية المتولّدة من الحرب في سوريا والعراق، والمحاولات الرامية لإعادة تصميم منطقة الشرق الأوسط[28]– أن يقدّم إطارًا لهويّته ينسجم مع الاضطرابات التي تشهدها تركيا والمنطقة. ولا بدّ أن يكون هذا الإطار داعمًا للتنبؤات باحتمال استمرار الأزمات الإقليمية والعالمية والإمكانات القادرة على تحويل هذه الأزمات إلى فرص.

إن (الحكم الذاتي)[29] الذي يتزايد تدريجيًّا في السياسة الخارجية ليس له صلة بخيار (الترك النهائي) في علاقته مع الغرب. ومن الجليّ أن حزب العدالة والتنمية لا يعمل من أجل (انسجام إلزامي) في السياسات التي تعارض مصالح تركيا. ففي الفترة الجديدة التي تشهد تسييرًا لسياسة (الاندماج الانتقادي) مع الغرب، حلّت الخيارات البراغماتية والإستراتيجية محل الأفهام الغربية الجوهر. ولا ننسى أن ردود الأفعال على المحاولات الأمريكية لتجييش وحدات PKK-YPG ودعمها لبناء دولة كردية في شمال سوريا، قد أدت إلى تصاعد الكراهية لأمريكا في الرأي العام التركي. ويمكن لتعريف (ما هو محلي وملي) أن ينتج شعورًا يتجرأ على الوقوف في وجه أمريكا -إن اقتضت الحاجة- من أجل مصلحة تركيا. مع هذا، فإن تعبئة تعريف (ما هو محلي وملي) بكراهية أمريكا أو أروبا سوف تكون قوميةَ إقصائية، وردود أفعال بسبب الشعور بأن أمريكا وأوربا‏ تخلفتا عن دعم تركيا، بل أبدتا عداوتهما لتركيا في حربها ضد PKK وتنظيم غولن الإرهابي. ومن الواضح أن هذه القومية ستشكل حقيقة خارج الكودات الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية. ومن المهمّ الحيلولة دون وصول ردود الأفعال على عناصر PKK-YPG إلى مستوى عداء الأكراد السوريين تحت تأثير الشهداء الذين يقعون في عملية غصن الزيتون.

إن تقييم علاقة الخطاب المحلي والملّي بالتصورات الإسلامية في تركيا سيكون مفيدًا لإضفاء معنى على التحوّل الأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية. فشريحة المسلمين المحافظين تتبوّأ مكانًا مهمًّا في قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية، وكوداته رفيعة المستوى، رغم كونه حزبًا يمثّل الكتل المختلفة. ومن اللافت للانتباه أن هذه الشريحة على خلاف تنظيم غولن الإرهابي توصف بـ(الدولانية)، بمعنى إعطاء الأهمية للمصالح التركية ورعاية مصالح الأمة على المدى الطويل. أما خصائص الحركات الدينية التي تشكّل التيار الأمّ فهي انسجام مع (الكودات المحلية والسُّنِّيَّة). وهذه الكودات بمثابة (الخميرة) التي تقي من المؤثرات الأيديولوجية الخارجية السلفية والشيعية على حدّ سواء. باختصار، يمكن تعريف الموقف (الدولاني) بأنه يؤمّن عدم التغريب في الدولة والمصالح الملية، ويقدّم الدعم الأكبر للخطاب (المحلي والملّي)، رغمًا عن الكماليين العلمانيين الذين تسلّموا الحكم في عهد الجمهورية. وقد تجلى الموقف (الدولاني) الذي تبنته شريحة المسلمين في عهود الاستبداد بدءًا من عهد الحزب الواحد ووصولًا إلى عملية 28 شباط 1997- على شكل توسيع مجال وجودها بإمكانات الديمقراطية‏، بدلًا من الاستسلام التام. وهذا يعني إلى حدّ ما تقييمًا للمبادئ والحساسيات الإسلامية التي تضع تركيا في المركز، وبذل الجهود في سبيل تطبيقها.[30]

وعند النظر من هذا الإطار يمكن القول إن التكوينات الإسلامية التي تأثّرت بتجارب إيران ومصر وباكستان لم تتبن مقاربة (الدولانية) وقتًا طويلًا، على خلاف الجماعات والطرائق السُّنّية المنحدرة من التاريخ العثماني. علاوة على ذلك، تمثّلَ قسم كبير من الحركات الإسلامية في عهدي حزب الرفاه وحزب العدالة والتنمية، الكودات (المحلية) و(الدولانية). فكان لما أضافته الخيارات السياسية لرجب طيب أردوغان على خط ملّي غوروش أثر كبير في هذا التحوّل؛ لأن أردوغان انتهج سياسةً تحتضن جميع شرائج المجتمع المختلفة، ولم يتناول العلاقات مع الغرب من باب الرفض الأيديولوجي، وإنما من باب (التفاعلية)  و(المصالح المنطقية).

وأخيرًا من المناسب أن نتناول الخطاب (المحلي الملي) من حيث نظرته إلى أتاتوك مؤسس الجمهورية. فقد أثارت المشاركة الكبيرة لأعضاء حزب العدالة والتنمية في ذكرى أتاتورك بتاريخ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 جدلًا كبيرًا. وفسر بعض الصحفيين اعتبار حزب العدالة والتنمية أتاتورك (قيمةً مشتركةً)” على أنه (انفتاح على الأتاتوركية)، حتى إنهم قالوا: إن حزب العدالة والتنمية رأى الحقيقة أخيرًا، وأن أتاتورك بدا على حقٍّ حتى في عام 2017.

يجب تقييم هذا الجدل مع الانتقادات التي تقول إن حزب العدالة والتنمية استسلم للمنعكسات الدولانية وأنتج الكمالية المتدينة. فحزب العدالة والتنمية تبنى منذ تأسيسه مبدأ تحديث أتاتورك (الوصول إلى مستوى الحضارة العصرية) بتفسيراتٍ خاصة به، وعدّ أتاتوركَ قائد حرب الاستقلال (قيمة مشتركة) لدى الشعب بما يتناسب مع المقاربة العامة للمحافظين الأتراك. كما ينبغي ألا ننسى أن ممارسات التحوّل العلماني الراديكالي في عهد الحزب الواحد تم انتقادها من خلال حزب الشعب الجمهوري وعصمت إنونو. وتمّ انتقاد إغلاق فرقة حزب الجمهورية التقدمي (ترقي بروَر جمهوريت)، ومحاكم الاستقلال، وإصدار قانون تقرير سكون [قانون الطوارئ]، وأطروحة التاريخ التركي، ونظرية لغة الشمس[31] باعتبارها جهودًا أيديولوجية.

ويأتي دفاع حزب العدالة والتنمية عن أتاتورك في سياق التطبيع في تركيا، أكثر من كونه استغناء عن النضال في وجه بؤر الوصاية الكمالية وتكريس الوضع الراهن. فأردوغان الذي يعتقد أنه حاسب بؤر الوصاية الكمالية وحقّق انفتاحات من شأنها تحويل العلمانية الراديكالية؛ يتحرك من منطلق أنه استطاع أن يلبّي مطالب المسلمين في تركيا (الحجاب والتعليم الديني)، بفضل تعريف النظام. كما يُلاحَظ أن تأكيد حزب العدالة والتنمية أن (أتاتورك) يأتي من باب تعزيز الوعي بمكافحة الإرهاب وصدّ الهجمات الخارجية ولاسيّما في الأعوام الأربعة الماضية. وشعار رابعة الذي يرفعه أردوغان دائمًا في أثناء تعريفه لما هو محلي وملي- يجمع بين القيم (الإسلامية) و(أتاتورك بصفته قائد حرب الاستقلال). ويُلاحَظ أن رفع هذا الشعار خطوةٌ واقيةٌ حتى لا يحوِّل معارضو حزب العدالة والتنمية أتاتوركَ إلى (رمز المقاومة الهامشي)[32].

الخاتمة:

إن أهم قوة لحزب العدالة والتنمية منذ عام 2001 في موضوع الإصلاح هو كونه متقدمًا الأحزاب السياسية الأخرى دائمًا، وتموقعه الدائم حول التغيير والاستقرار بشكلٍ مستمرّ[33]. وهذا التموقع نتيجة ادعاء حزب العدالة والتنمية وزعيمه بتغيير تركيا. وقد مرّ هذا الادعاء من عمليةٍ ديناميكية عاشت فيها المحاسبة والأزمات إلى جانب الإصلاح والانفتاح والترميم. وتأتي خطابات الحزب لإضفاء الشرعية على السياسات التي تشكّل جوابًا لآلام مخاض هذه العملية.

تستند التغييرات الأيديولوجية/ الخطابية التي عاشها حزب العدالة والتنمية في الحكم إلى خطابات ثلاثة مرتبطة بالتأكيد التابع للتجربة والحاجة أكثر من كونه انكسارات غير مترابطةٍ: الديمقراطية‏ المحافِظة، والتعهد بحضارتنا، والموقف المحلي الملي. وإنّ دعوى (تركيا الجديدة) الحضارية خلال الإصلاحية في سياق الإندماج بأوربا وحركات التمرد العربي وخطابه المحلي الملي بعد 15 تموز- تشكل جزءًا لا يتجزأ من التحوّل الأيديولوجي. والتحوّل الأيديولوجي موضوع البحث لحزب العدالة والتنمية هو حاصل تجربته الخمسة عشر عامًا في السلطة. ويستند إلى تراكم الحسابات مع الوصاية الكمالية والماضي الإسلامي والنظام الإقليمي. وقد تمكّن الحزب من إضفاء الشرعية على تغيراته السياسية بامتلاكه قيادة قادرة على شرح التحوّل الذي يعيشه لناخبه.

إذ تمكّن من القيام بإستراتيجيته في مكافحة قاسية موجّهة لحزب العمال الكردستاني في الداخل التركي والعراق وسوريا في آن واحد بعد تموز 2015 وسط دعم كبير يستند إلى أحقيته في ذلك بعد تجربتين لعملية سلام خاضها بين عامي 2009 و2015. وتمَّ تأمين التداخلات الديناميكية بين الخطابات الثلاثة بقيادة أردوغان القوية. فقد استطاع أردوغان نقل الموضوعات المشتركة للتيارات المحافِظَة والقومية والإسلامية باعتبارها المحاور الأساسية للحياة السياسية في تركيا إلى مستوى الخطاب والعمل بما تقتضيه الحاجة والإمكانات المرحلية. ويظهر أردوغان القادر على الجمع بين المنافع الملية التركية والإحساس بالمسلمين المظلومين من سوريا إلى الصومال وأرقان لدى ناخبيه في الوقت ذاته- بصفته ناقدًا معارضًا للنظام العالمي الظالم في قيادة الغرب. واستطاع أردوغان من تقديم سياساته باعتبارها تركيبًا لمثاليات السياسة الكلية (الماكروية) التي يسعى خلفها ببراغماتية تتقن الوصول إلى السلطة وتُعنَى به[34].

ومن الواضح أن هناك ارتباطٌ بين الخطابات والتأكيدات الثلاثة التي استعملها حزب العدالة والتنمية بالمشكلات الداخلية والخارجية التي واجهها في أثناء وجوده في السلطة. ففي وسط تداخلت فيه السياسة الداخلية والخارجية واجه حزب العدالة والتنمية حاجته لتحكيم هويته في الداخل في بعض الأحيان من خلال خطابه السياسي الخارجي. وخدمت حركاته الحرجة في السياسة الخارجية، كعملية السلام ومقاومة 15 تموز ودرع الفرات وعملية غصن الزيتون- الحاجة إلى توحيد الداخل وتماسكه عند اللزوم في بعض الأحيان. وتمّ تأمين الاحتياجات الديناميكية للسياسة الداخلية والخارجية في وسط تداخلت في هذه الخطابات الثلاثة من خلال تقديم بعضها على بعض. وتولَّى التواصل المؤثر الذي أسسه أردوغان مع الرأي العام وقيادة أردوغان القوية دورًا معينًا وميسرًا لانتقال التأكيد بين هذه الخطابات الثلاثة.

وتنتقِد المعارضة كذلك ميل حزب العدالة والتنمية إلى القسوة في مكافحة الإرهاب، خصوصًا بعد تطبيق حالة الطوارئ عقب محاولة انقلاب 15 تموز 2016- بأنه (استسلام للقومية التركية). وهذا يستدعي مزاعم تحول حزب إلى (الكمالية) أو (المقاوم للتغيير) أو (التتريك). والواقع أن مفهوم (الملّي) الذي استعمله حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه تداخل مع مفاهيم (المحافَظَة)، ثم (الحضارة)، ثمّ (المَحَلّي). لكن مفهوم (الملية) في كل صيغة من صيغه يختلف عن كل من المليَّة الكمالية والملية التركية التي يحملها حزب الحركة القومية.

والأمر الذي ينبغي بيانه هنا أنه رغم خيبة الأمل في عملية السلام الناجمة عن تحوّل الولايات والمدن الشرقية إلى (حروب الخنادق) التي يؤيّدها حزب الشعوب الديمقراطي‏- فإن تأكيد (دولة واحدة، ملة واحدة) الذي تردّد على ألسنة مسؤولي حزب العدالة والتنمية حذف من هذا المفهوم محتوى عدم الاعتراف بالهوية الكردية وإقصائها. فمفهوم (ملة واحدة) يشير إلى هوية ملية تستوعب جميع الهويات التي تضمّها تركيا، ولم يحدث تراجع عن الحقوق التي اكتسبتها الهوية الكردية بالإصلاحات التي جرت على يد حزب العدالة والتنمية، بل جاء التفاف الأكراد حول (وطن واحد، علم واحد) سعيًا إلى (محلية قوية) تشمل تركيا كلها، وعزمًا على الصراع مع الذين يستغربون عن تركيا، ويستهدفون استقلالها، كتنظيم غولن الإرهابي، وحزب العمال الكردستاني. فإن كنتم تريدون الاستقلال الحقيقي التام؛ يجب عليكم تعميم (المحلية والملِّيَّة)، وإحيائها في المجالات كافة. والتاريخ التركي في الواقع أُسِّس على الصراع بين أنصار (الملية والمحلية) والمستغربين عن بلدهم ومِلَّتِهِم[35].

والخط السياسي المحلي والملي لحزب العدالة والتنمية يعمل على نقل دور تركيا في النظام الدولي إلى موقع أكثر فاعلية. ومن الواضح أن هذا الجهد يأتي استجابة للبحث عن توازن جديد داخل التحالف الغربي والوضع لإقليمي على حد سواء. وتظهر الحاجة إلى جاهزية تركيا لخوض الصراعات إلى جانب الاستقرار السياسي في معادلة القوى العظمى المتجهة إلى فترة غموض جديدة.

[1] ينحو الكُتَّاب الحداثيون إلى استعمال مصطلح (الإسلاموية) للدلالة على الأيديولوجيا الإسلامية، وهو نحت غريب على اللغة العربية، وآثرنا استخدام مصطلح (الإسلامية)؛ لأنّ استخدامه مجردًا عن الموصوف كافٍ في الدلالة على هذا المعنى. المترجم.

[2] من أجل هذه التحليلات، يمكن النظر في سلسلة 15 عامًا من عمر حزب العدالة والتنمية التي نشرها وقف البحوث السياسية والاقتصادية والمجتمعية (ستا) في أربع مجلدات.

[3] تعرّض مدلول (المِلّة)الذي يشكّل أحد كودات التحوّل الأيديولوجي للتطور عبر التاريخ لأغراض أيديولوجية وسياسية، وأخذت هذه الكلمة معاني متعددة في منعطفاته المختلفة. فهي في الأصل تعني (أتباع الدين) ، و(الملة العثمانية) تعني ‏( المسلمين من التابعية العثمانية)‏، ثم أصبحت بعد الجمهورية تطلق على (شعب تركي افتراضي) بالمفهوم الوطني الجامع بين الإثنيات الدينية والعرقية المختلفة التي تعيش في تركيا، بحسب ما حاولت الكمالية صياغته وتعريفه، وتعني كذلك ‏( القومية التركية)‏ بالاعتبار العرقي، وقد قام على أساسها حزب الحركة القومية (مِلّي حركت بارتيسي). وكذلك حاول أ.د. نجم الدين أربكان التذكير بالبعد الإسلامي فاعتمد هذه الكلمة أيضًا، فسمّى حركته (مِلّي غوروش) واقترن اسم حزبه بالكلمة بشكل دائم، (مِلَي نظام، ملي سلامت، مِلَي رفاه، مِلَي سعادت) بارتيسي، كناية عن الإسلام، كما يشتهر ذلك بين أتباعه. وسنعتمد في هذا البحث كلمة (المِلَة)واشتقاقاتها. المترجم.

[4] برهان الدين ضوران، “فهم الهوية السياسية لحزب العدالة والتنمية: الخطاب الحضاري متعدد الطبقات وحدوده”، سنوية السياسة الخارجية التركية 2012، التحرير: برهان الدين ضوران وكمال إنات وأفق أولوطاش، منشورات ستا، أنقرة 2013، ص15-37

[5] نسبةً إلى(الأمّة)، والقياس (أُمّيًّا). المترجم.

[6] من أجل معلومات أوفى عن حزب العدالة والتنمية، ومفهموم “الديمقراطية المحافظة”، انظر: يالجين أق دوغان، حزب العدالة والتنمية والديمقراطية المحافظة، منشورات ألفا، إسطنبول 2014.

[7] أق دوغان، حزب العدالة والتنمية والديمقراطية‏ المحافظة، ص‏16.

[8] Burhanettin Duran, “Whither the Justice and Development Party’s ‘New Politics’? Steering towards a Conservative Democracy, Revised Islamic Agenda or Management of New Crises”, Secular and Islamic Politics in Turkey: The Making of The Justice and Development Party, ed. Umit Cizre, (Routledge, New York: 2008).

[9] أق دوغان، حزب العدالة والتنمية والديمقراطية‏ المحافظة، ص‏106-107.

[10] انظر: أق دوغان، حزب العدالة والتنمية والديمقراطية‏ المحافظة، ص‏91-113. من أجل الاطّلاع على تأكيد رجب طيب أردوغان الخدمة والفعل والتنمية من عام 2002 حتى عام 2017، انظر: “النص‏ الكامل للكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في اجتماع مجموعة حزب العدالة والتنمية”، رئاسة مجموعة حزب العدالة والتنمية في مجلس الشعب التركي الكبير، 20 أيار/ مايو 2002، http://www.akparti.org.tr/tbmm/haberler/basbakan-recep-tayyip-erdoganin-ak-parti-grup-toplantisinda-yaptigi-konusma/4715، (تاريخ زيارة الموقع: 12 آذار/ مارس 2018). “المؤتمر الاستثنائي الثالث، حزب العدالة والتنمية، مؤتمر القيام والتأسيس من جديد”، رئاسة الجمهورية التركية، 21 أيار/ مايو 2017، https://www.tccb.gov.tr/haberler/410/75276/3-olaganustu-kongre-ak-parti-icin-yeniden-dirilis-ve-kurulus-kongresidir.html، (تاريخ زيارة الموقع: 12 أيار/ مايو 2018).

[11] انظر: أق دوغان، حزب العدالة والتنمية والديمقراطية‏ المحافظة، ص‏91-113.

[12] من أجل تشديد رجب طيب أردوغان على معايير أنقرة – كوبنهاغن، انظر: تصريحات مهمّة لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان في قمة أمبودسمان الدولية، صباح، 25 أيلول/ سبتمبر 2017.

[13] “قليجدار أوغلو: ما حصل تغيّرٌ للنظام”، قناة NTV، 9 كانون الأول/ ديسمبر 2016.

[14] برهان الدين ضوران ونوح يلماز، “تنافس الموديلات في الشرق الأوسط: توازنات القوى الجديدة بعد الربيع العربي”، سنوية السياسة الخارجية التركية 2012، التحرير: برهان الدين ضوران وكمال إنات ورسول أوصول، منشورات ستا، أنقرة 2012، ص‏15- 86.

[15] من أجل النص ‏الكامل للكلمة التي ألقاها رجب طيب أردوغان في المؤتمر العادي الرابع الكبير لحزب العدالة والتنمية بتاريخ 30. 09. 2012، انظر: http://www.akparti.org.tr/site/haberler/basbakan-erdoganin-ak-parti-4.-olagan-buyuk- kongresi-konusmasinin-tam-metni/31771، (تاريخ زيارة الموقع: 8 أيار/ مايو 2018).

[16] انظر: طلحة كوسا، ” Rise and Fall of the AK Party’s Kurdish Peace Initiatives”، Insight Turkey، الإصدار 19، العدد 2، 2017.

[17] من أجل تفاصيل الكلمات التي يتم الحديث عنها، انظر: “رسالة من أردوغان إلى إسرائيل”، تقويم، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012.

[18] صولي أوزال، “يبدو أن الدستور سينجز مع حزب الحركة القومية”، خبر تورك، 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2012.

[19] انظر: فخر الدين ألتون، “The Rising Criticism of Erdoğan During the Gezi Protests”، حزب العدالة والتنمية التركي وزعيمه، التحرير: أوميت جيزرة، Routledge، نيويورك 2016. انظر: حاتم أطا وجوشكون طشطان، أحداث غزي بارك بين الحقيقة والخيال، منشورات ستا، أنقرة 2013.

[20] علي أصلان، “السياسة المحلية والملية”، حزب العدالة والتنمية في عامه الخامس عشر: المجتمع، منشورات ستا، إسطنبول 2017.

[21] برهان الدين ضوران، “حركة غولن وضياع الكودات الصنعية”، برنامج الرأي المفتوح على قناة ستار، 28 كانون الأول/ ديسمبر، 2013.

[22] من أجل النظام الرئاسي وتأثيره في السياسة التركية، انظر: نبي ميش وبرهان الدين ضوران، تحول النظام السياسي في تركيا والنظام الرئاسي، منشورات ستا، إسطنبول 2017. نبي ميش وبرهان الدين ضوران، ” “The Transformation of Turkey’s Political System and the Executive Presidency، Insight Turkey، الإصدار 18، العدد 4، 2016. نبي ميش وبرهان الدين ضوران، “Turkey’s Constitutional Referendum and its Effect on Turkish Politics”، أورينت، الإصدار 58، العدد 3، 2017.

[23] برهان الدين ضوران، “انقطاع الكودات المحلية لتنظيم غولن الإرهابي ومستقبله”، تركيبة تنظيم غولن الإرهابي، التحرير: أنس بيرقلي، وأفق أولوطاش، منشورات ستا، إسطنبول 2017، ص‏174- 181.

[24] برهان الدين ضوران، “من سيقوم بالتعبئة من أجل الخطاب المحلي والملي؟”، صباح، 9 أيلول/ سبتمبر 2017.

[25] “قليجدار أوغلو: السوريون سيفسدون نظامنا بأكمله”، خبر تورك، 12 آذار/ مارس 2016.

[26] “الإسلامية والقومية”، غوكهان جتين قايا، الفكر السياسي في تركيا الحديثة، (المجلد 6): الأيديولوجية الإسلامية، التحرير: تانيل بورا ومراد غولتكينغيل، منشورات إلتيشيم، إسطنبول 2005، ص‏420- 422.

[27] “رئيس الجمهورية أردوغان يتحدث في المؤتمر العادي السادس في ولاية أسكي شهير”، حزب العدالة والتنمية، 17 شباط/ فبراير 2018، http://www.akparti.org.tr/site/haberler/cumhurbaskani-erdogan-eskisehir-6.-olagan-il-kongresinde-konustu/97422#1، (تاريخ زيارة الموقع: 8 آذار/ مارس 2018).

[28] انظر: أفق أولوطاش وبرهان الدين ضوران، “ما يجري في الشرق الأوسط؛ تنافس إقليمي أم تصميم إقليمي؟”، حزب العدالة والتنمية في عامه الخامس عشر: السياسة الخارجية، التحرير: كمال إنات وعلي أصلان وبرهان الدين ضوران، منشورات ستا، إسطنبول 2017، ص‏61- 84.

[29] انظر: مالك مفتي، “Turkey’s Choice”، Insight Turkey، الإصدار 19، العدد 1، 2017. انظر: علي أصلان، “إطار مفاهيمي لفهم السياسة الخارجية التركية: البحث عن الحكم الذاتي”، حزب العدالة والتنمية في عامه الخامس عشر: السياسة الخارجية، التحرير: كمال إنات وعلي أصلان وبرهان الدين ضوران، منشورات ستا، إسطنبول 2017، ص‏17- 40.

[30] حرصَ ‏الإسلامويون الذين تم تصفيتهم من البرلمان والسياسة في عهود الجمهورية المبكرة، على عدم الوقوف في وجه الدولة رغم المعاناة التي تجرعوها. واعتبروا التبعية للدولة رغم كل المشكلات مطلبًا للبقاء (محليين). كما اعتبروا عدم الدخول في تحالفات دولية ضد دولتهم مطلبًا يفرضه عليهم الانتماء العميق إلى الوطن والملة والأمة. ومما يشير إلى حس الانتماء هذا، ما قاله رئيس الجمهورية أردوغان: “إن ذاكرة هذه الأراضي والجغرافيا أقوى من الإنسان ذاته؛ تكافئ من يخدمها ويحبها، وتعاقب من يبيعها ويخونها”. انظر: برهان الدين ضوران، “الإسلامية في عهد الجمهورية”، الفكر السياسي في تركيا الحديثة، المجلد 6: الإسلاموية، التحرير: تانيل بورا ومراد غولتكينغيل، منشورات إلتيشيم، إسطنبول 2005، ص‏129 – 135. انظر: برهان الدين ضوران، “حركة غولن من الخدمة إلى تنظيم إرهابي”، Kriter، العدد 4، آب/ أغسطس 2016.

[31] نظرية تَعدّ اللغة التركية أولى اللغات في تاريخ العالم، وقد لقيت دعم أتاتورك عام 1930. المترجم.

[32] برهان الدين ضوران، “هل القادم أتاتوركية جديدة؟”، صباح، 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

[33] مَلْتَم مفتولر – باج وفؤاد كَيْمان، “The Era of Dominant-Party Politics”، Journal of Democracy، الإصدار 23، العدد 1، كانون الثاني/ يناير 2012، ص‏85-99.

[34] من أجل الجوانب المتعددة لقيادة أردوغان، انظر: يالجين أق دوغان، أردوغان والقيادة السياسية، منشورات تركواز، إسطنبول 2017.

[35] رجب طيب أردوغان، “المحلية والملية ينبغي أن تكون معاييرنا”، Kriter، العدد 1، أيار/ مايو 2016.

تسميات