السياسة الخارجية

تأثيرات محاولة 15 يوليو/تموز الانقلابية على سياسة تركيا الخارجية ومقارباتها الأمنية

لقد تسارع التحول الذي حدث في السياسة الخارجية التركية عقب 2006-2007 مع محاولة الانقلاب في الخامس عشر من يوليو/ تموز، على أن كلاً من الهدف والاتجاه الأساسي للتحول لم يتغيرا.

عقب الخامس عشر من يوليو/تموز، وقعت انعطافات بنيوية جديرة بالذكر في سياسة تركيا الداخلية والخارجية. لدى هذه الانعطافات الإمكانية لترك تأثيرات دائمة في مفاهيم السياسة الخارجية والأمن التركيين. فبينما جرّت صدمة 15 يوليو/تموز المجتمع التركي نحو موقف أكثر دفاعية في المرحلة الأولى، دفعت جهاز الدولة في تركيا وبالأخص بيروقراطيته الأمنية إلى التحرك خارج القوالب المعتادة. فانسلت تركيا من ردود الفعل الدفاعية تلك في فترة قصيرة، وبدأت في لعب أدوار مهمة باعتبارها اللاعب المفتاح المغير للعبة في أزمتي سوريا وليبيا وفي حصار قطر.

وتشير الخطوات الجديدة التي تُخطى حاليا في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية إلى أن هذه المقاربة الجديدة سوف تستمر.

لقد تسارع التحول الذي حدث في السياسة الخارجية التركية عقب 2006-2007 مع محاولة الانقلاب في الخامس عشر من يوليو/ تموز، على أن كلاً من الهدف والاتجاه الأساسي للتحول لم يتغيرا.

باختصار، ظل الهدف المتعلق بجعل السياسة الخارجية التركية متعددة الأبعاد، مركزها أنقرة، وأقل اعتمادية على الخارج في القضايا الحساسة ثابتاً. كان هذا الهدف هو المسار ذو الأولوية للسياسة الخارجية التركية طوال عهد حكومات حزب العدالة والتنمية. لكن مع محاولة 15 يوليو الانقلابية اتجهت تركيا إلى خط سياسة خارجية يغلب عليه البعد الأمني.

لقد تأثر تعميق تركيا للتكامل الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي ومقاربتها للسياسة الخارجية على محور القيم الليبرالية بشكل سلبي من التغيرات الجارية. وللمخاوف الوجودية التي أحسها جهاز الدولة التركية مع محاولة 15 يوليو /تموز الانقلابية دور كبير في ذلك. فعقب محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا، تهربت الدول الأوروبية من تقديم الدعم الكافي للسلطة المنتخبة وإظهار التعاطف الضروري. نُظر إلى هذه المقاربة من قبل الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان على أنها نوع من النفاق والازدواجية.

إن سبب التحولات التي حدثت في مفهوم تركيا للسياسة الخارجية والأمن هو أزمة الثقة العميقة التي أشعلتها تلك التجربة المأساوية في الحزب الحاكم لتركيا ومؤسساتها الأمنية. حيث لم يتم تناول محاولة 15 يوليو/تموز كتمرد داخلي بحت. إذ يسود الاعتقاد بأن محاولة الانقلاب -لما لها من ارتباطات خارجية- صُممت لإجبار تركيا على أن تعود تابعة، تدور في فلك الناتو، تتصرف بشكل يناسب الدور الذي رُسم لها داخل التحالف الغربي. فمثلاً؛ يكاد يكون الادعاء القائل بإن لواشنطن أصابع في هذا الانقلاب هو الموضوع الوحيد الذي تتوافق عليه الحكومة وجناح المعارضة في تركيا. لقد تسببت محاولة 15 يوليو الانقلابية في تشكيل توجه تركيا باتجاه معاكس تماماً. تسارع انتقال تركيا إلى مقاربة سياسة خارجية وأمنية مستقلة ومتوازنة بمظهر “محلي-قومي”.

أزمة الثقة نحو الناتو والعقيدة الأمنية الجديدة

ربما يكون شركاء تركيا الدوليون وعلى رأسهم حلفاؤها داخل حلف الناتو قد واجهوا صعوبات في فهم هذا التغيير الجاري. ولربما لم يرغبوا في قبول هذا التغيير الذي تمر به تركيا في المراحل التالية. أما اللاعبين الذين استوعبوا هذا الوضع الجديد فقد جرى تقييم إمكانيات التعاون معهم في سياق المصالح المشتركة.

انخرطت سياسة تركيا الخارجية ومقارباتها الأمنية والدفاعية في السنوات الأربعة الأخيرة في مساعي التأقلم مع ظروف فترة ما بعد الخامس عشر من يوليو/تموز. فُهمت هذه المساعي من قبل المتابعين عن قرب لسياسة تركيا الخارجية ومقاربتها الأمنية على أنها نوع من الاندفاع. لكن بيت القصيد هنا هو أن قراءة ذلك كمسعى من تركيا لتكييف نفسها مع ظروف الفترة الجديدة سيكون مقاربة أكثر صواباً.

لأول مرة منذ 70 عام، تخطو تركيا خطوات ملموسة بهذا القدر في مجال الدفاع في قضية صنع عقيدة استراتيجية مركزها وبؤرتها أنقرة. وفيما يحدث هذا التحول، تستمر العمليات العسكرية التي تهدف إلى إزالة المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا في سوريا والعراق وليبيا من ناحية أخرى. وفيما تحدد تركيا سياساتها في المناطق القريبة، دخلت كذلك في عملية إعادة بناء جديدة تتخذ من أولوياتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية مركزاً لها. ليست عملية إعادة البناء المذكورة أيدولوجية المحور، إذ تمضي في مسار متوازن وأكثر براغماتية في سياق المصالح القومية. حيث يُعاد بناء الاستراتيجيات الإقليمية من جديد بشكل يعطي الأولوية للمصالح القومية.

لقد هز عدم مراعاة الناتو لأولويات تركيا في قضية الحرب على الإرهاب والأمن القومي ومقاربته للتدخل في سياسة تركيا الداخلية الثقة الموجودة في تركيا تجاه الناتو بدرجة كبيرة. وشرع متخذو القرار الأتراك في اتخاذ خطوات حاسمة طويلة النفس لإنهاء الاعتمادية على الخارج في قضايا الدفاع والأمن. وما حملة التكنولوجيا العسكرية الوطنية ومسعى تقليل الاعتماد على الخارج في قضايا الدفاع إلا نتيجة لتلك المقاربة. رفعت تركيا في هذه الفترة قدراتها العملياتية عن طريق التكنولوجيا العسكرية المحلية وكانت إسهامات هذه التكنولوجيا كبيرة في عمليات تركيا عبر الحدود.

تبنت تركيا تفاهمات مؤقتة على مستوى القضية مع لاعبين متنوعين في سياق أهدافها الدفاعية والأمنية على وجه الخصوص. ففيما أبدت تركيا سعياً مشتركاً مع لاعب أو دولة في قضية ما، جازفت في الوقت نفسه بالتعارض مع بعض القضايا الأخرى، والعمل مع لاعبين آخرين. كل هذا التغيير ألقى بصورة معقدة إلى حد ما ويصعب فهمها وتقبلها بالنسبة للمراقبين من خارج تركيا. في كل هذه الصورة برزت قطر وأذربيجان وباكستان وأوكرانيا كحلفاء تركيا الأكثر ديمومةً وثقةً في هذه الفترة. أما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وفرنسا واليونان فقد تسابقوا فيما بينهم في السياسات المعادية لتركيا في كل المجالات تقريباً. هذا وقد تابعت العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وإيران سيرها المتصاعد الهابط. وأصبحت أولوية تركيا هي استمرار شكل علاقة بوسعه أن يحافظ على التوازن بين تلك البلدان. وقد قرّب الوضع المهتز للعلاقات مع واشنطن تركيا من موسكو.

 

انخفضت الثقة تجاه الناتو والولايات المتحدة الأمريكية بدرجة بالغة في قضية مكافحة الإرهاب وتنظيم فتح الله كولن.

تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع منظمة “واي بي جي” في سوريا، والدعم الذي تقدمه فرنسا للتنظيم الإرهابي، ودعم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتنظيم بي كا كا داخل حدودها أو غض الطرف عن نشاطاته.. إلخ، دفع كل ذلك تركيا إلى البحث عن بدائل أخرى في قضية مكافحة الإرهاب. عادت تركيا إلى شكل لعلاقة جديدة مع روسيا. فتحت هذه العلاقة الطريق أمام تركيا لتكون أكثر تأثيراً في سوريا، ولتتمكن من القيام بعمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام العسكرية. خطت تركيا خطوات ملموسة باتجاه عرقلة ممر الإرهاب الذي يُسعى لتشكيله على طول حدودها الجنوبية.

عهد التفاهمات الجديدة والتحالفات المرنة

بات من الضروري تطوير علاقة بناءة ومتوازنة أكثر مع روسيا في القضايا الاستراتيجية. فقد بدا على نحو واضح أنه يستحيل أن تحصل البلاد على نتيجة في الملف السوري عبر الصدام مع روسيا. مسألة أخرى هي أنه قد لوحظ أن تركيا تكون أكثر اعتمادية على حلفاءها في الناتو في الفترات التي تشهد توتراً في علاقاتها مع لاعبين مثل روسيا والناتو. في مثل هذه الحالات يصبح الخروج عن ثوابت الناتو أكثر صعوبة، فأرهقت تركيا بين الضغطين. حتى وإن تسببت العلاقات البناءة أكثر مع روسيا وإيران في انتقادات من جناح الولايات المتحدة والناتو فإن تحرك تركيا على هذا النحو بات ضرورياً في جو لا يبالي فيه هذا الجناح بمصالح تركيا. وبالرغم من التباينات الموجودة مع روسيا وإيران إلا أنه قد سُعي إلى استمرار العلاقات مع هذه الدول بشكل متوازن.

عندما نضع التغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية والعقيدة الدفاعية عقب 15 يوليو/تموز نصب أعيننا، يمكننا القول إن هذا التغيير يعتبر نوع من تغيير الجلد جدير بالملاحظة بالنسبة لتركيا. لقد تمخضت مساعي حبس تركيا في الثوابت القديمة والمواقف السلبية -بشكل عكسي تماماً- عن هذا التأثير. في المحصلة؛ أصبحت تركيا مكتفية ذاتياً أكثر في القضايا العسكرية، قادرة على إدارة ملفات السياسة الخارجية لمصلحتها الخاصة، متمكنة من اتخاذ خطوات استباقية ونشطة في مسائل الأمن والمصالح القومية. وبالرغم من احتواء هذا الوضع على مخاطر معينة بداخله، إلا أنه عند وضع الغموض الموجود في مستقبل السياسة العالمية نصب أعيننا، يمكن أن يُقيم على أنه وضع أكثر تميزاً.

في النهاية زادت مناعة تركيا ضد الضغوطات والتهديدات الخارجية مقارنة بفترة ما قبل 15 يوليو/تموز. سيكون تعزيز هذه المناعة عبر تفاهمات وتحالفات جديدة، وإزالة الهشاشة الموجودة في مجالي الاقتصاد والسياسة الداخلية هي أولويات تركيا التالية.

[صباح، 18 يوليو/تموز 2020]

 

تسميات