2019_EKIM_mac

انعكاسات الخلاف بين فرنسا وتركيا على حلف الناتو والاتحاد الأوروبي

يبدو أن عجز ماكرون عن الحصول على النتيجة التي يريدها، من الناتو -الذي وصفه منذ أمد غير بعيد بأنه يعاني من "الموت الدماغي"- يزعجه بشدة...

تتبع فرنسا سياسات عدوانية إلى حد كبير، ومنافية للقانون الدولي في أغلب الأحيان، في منطقة الصحراء الكبرى وشرق المتوسط. في الفترة الأخيرة حاولت فرنسا أن تنقل التوتر الذي تعيشه مع تركيا حول ليبيا، إلى ساحة الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، وتسعى للضغط على أنقرة وإعادتها خطوة إلى الخلف.

ويبدو أن عجز ماكرون عن الحصول على النتيجة التي يريدها، من الناتو -الذي وصفه منذ أمد غير بعيد بأنه يعاني من “الموت الدماغي”- يزعجه بشدة. ففي العاشر من يونيو/حزيران تقدمت باريس بشكوى لدى الناتو ضد تركيا، بدعوى أن السفن الحربية التركية اعترضت طريق الفرقاطة الفرنسية “كوربيت” على السواحل الليبية، أثناء قيامها بمهمة بحرية تابعة للناتو في إطار عملية “حارس البحر”، وأن الزوارق التركية قامت بالتحرش بالسفينة الفرنسية عن طريق تشغيل الرادارات وهو ما يمثل المرحلة الأخيرة قبل الهجوم.

المعلومات المُسربة إلى الإعلام العالمي تشير إلى أن التحقيقات التي تتم في ضوء ما قدمه الطرفان من أدلة، لن تأتي على النحو الذي تريده باريس، وكردٍ على ذلك ستقوم فرنسا بتعليق مشاركتها في عملية “حارس البحر” بشكل مؤقت.

هل يعتبر الرئيس الفرنسي عملية “حارس البحر هي الأخرى “عملية تعاني من الموت الدماغي” بعد هذه التطورات؟ لا نعلم، ولكن وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو أعلن أنه ينتظر اعتذاراً من فرنسا التي تسعى لإلحاق الضرر بتركيا عبر ادعاءات لا أساس لها من الصحة.

لا نية لدى باريس للاعتذار، بل على العكس تماماً؛ تسعى فرنسا هذه المرة، وهي مشحونة بالغضب وخيبة الأمل الناجمة عن الخسارة في ليبيا، لإثارة الاتحاد الأوروبي على تركيا.

والحقيقة أن لا تأثير لفرنسا في مسألة إثارة الناتو على النحو الذي تريده، إذ تمتلك علاقات شائكة معه منذ فترة طويلة، ولكن بدون شك لها فعالية بالغة داخل الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك؛ تتوفر لتركيا إمكانية التعبير والدفاع عن نفسها في مؤسسات الناتو التي تمتلك عضوية فيه، ولكنها لا تملك مثل هذه الفرصة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي الموجودة في بروكسل وستراسبورغ، وذلك لأنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي. وتُعتبر القرارات الظالمة التي لا تحصى التي اُتخذت ضد تركيا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي في الأعوام الماضية مثالاً على ذلك.

ومع الأسف فإن البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد والمفوضية الأوروبية بعيدون كل البعد عن إصدار قرارات موضوعية في القضايا المتعلقة بتركيا. وبدلاً من التعامل مع تركيا كدولة تخوض مفاوضات الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، فضلوا اتخاذ مواقف معادية لتركيا في المشكلات المتعلقة باليونان وجنوب قبرص. الأمر الذي يتضح جلياً في اتخاذهم لقرارات بعقوبات ضد تركيا في الفترة الأخيرة في المشاكل المتعلقة بشرق المتوسط عبر تقديم الدعم لمواقف اليونان وجنوب قبرص.

ولأن فرنسا تعي ذلك جيداً، فهي تسعى لإثارة مؤسسات الاتحاد الأوروبي كعنصر ضغط على تركيا. تريد فرنسا أن تُظهر لأنقرة أنها ستواجه عقوبات جديدة، إذا لم تتراجع خطوة إلى الوراء في ليبيا وبقية مشاكل شرق المتوسط. وهي تعلم أيضاً أنها قادرة على الحصول على دعم قطاعات واسعة داخل الاتحاد الأوروبي في هذه المسألة.  وذلك لأن الدوائر المتأثرة بدعاية اللوبيات المعادية لتركيا في أوروبا، والدوائر المنزعجة من سياسة أنقرة الخارجية المستقلة، على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم للخطوات الجديدة التي تستهدف زيادة الضغط على تركيا.

سيكون نهج دول مثل ألمانيا وإيطاليا في هذه النقطة مهماً بالنسبة لفرنسا.

فكيف ستتخذ إيطاليا موقفاً ضد سياسة فرنسا للضغط على تركيا عبر الاتحاد الأوروبي؟ فإيطاليا تقدم الدعم لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس التي تدعمها تركيا بدلاً من حفتر الذي تدعمه باريس.

وإلى أي مدى سيكون تقديم ألمانيا الدعم لسياسة باريس هذه ضد أنقرة ممكناً؟ فألمانيا تحتاج إلى دعم فرنسا في مسألة استجماع قوة الاتحاد الأوروبي من جديد، ولكنها ترى أن سياستها تجاه ليبيا خاطئة.

يُحتمل أن تكون زيارة وزير الخارجية جاويش أوغلو ووزير السياحة أرصوي إلى برلين الخميس الماضي قد تمت على هامش خصومة فرنسا مع تركيا.

[تركيا، 4 يوليو/تموز 2020]

تسميات