العدوانية اليونانية تلقي بظلالها الثقيلة على جهود الحوار التركية

ومن المؤكد أن التوتر المتزايد بين تركيا واليونان لن يكون في مصلحة الناتو والاتحاد الأوروبي

ظلت الأوضاع الجيوسياسية التركية متوترةً خلال الصيف الماضي خصوصاً في منطقة شرق البحر المتوسط. وزادت عمليات مكافحة الإرهاب المستمرة في سوريا والعراق من الضغط السياسي الخارجي على تركيا، بما في ذلك من حلفائها في الناتو.

وحاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التعامل مع تركيا باستخدام لغة العقوبات والضغط السياسي بدلاً من التعاطف والفهم الحقيقي لمواطن الضعف في البلاد.

كذلك شهدت العلاقات التركية الروسية حالة من عدم الاستقرار بسبب التوترات في سوريا وليبيا. وأدت الاحتكاكات المستمرة مع مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة واليونان إلى زيادة الضغط على أنقرة. وبدت جميع هذه التوترات مترافقة مع ثمن اقتصادي باهظ دفعته البلاد.

وقامت الحكومة التركية باستخدام الدبلوماسية مقرونة باستعراض القوة العسكرية لكسر سياسة الحصار والتطويق التي حاول خصومها ومنافسوها فرضها في المنطقة. وفي الوقت نفسه نجحت جهود السلطات التركية بخلق استقرار على الحدود مع سوريا ومنع تهديدات الإرهاب القادمة من العراق وسوريا.

واتصفت علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بالضحالة وكان هناك عدم ثقة عميق من كلا الجانبين.

وبالرغم من الجهود البناءة التي بذلها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ظلت علاقات تركيا والولايات المتحدة مضطربة للغاية. واعتبرت سياسات واشنطن في سوريا وخاصة الدعم المستمر لتنظيم ي ب ك/بي كا كا تهديداً أساسياً للأمن القومي في أنقرة. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على صناعات الدفاع والأمن التركية.

ويمكن القول إن هذه السياسة الخارجية التركية الشرسة والمثيرة للجدل جاءت نتيجة إحساس حقيقي بانعدام الأمن والشعور بالحصار إذ بدت تركيا ضعيفة بسبب تهديدات العقوبات والمواجهات العسكرية المحتملة في مناطق متعددة. وقد دعم الرأي العام التركي السياسة الخارجية للحكومة وسط تلك التهديدات والتوترات. كما استغل أعداء البلاد نقاط الضعف وأثاروا عواصف من الانتقادات لأنقرة.

أما من حيث الاقتصاد والدبلوماسية العامة، فكانت سياسة تركيا الخارجية حازمة للغاية. والحفاظ على سياسة خارجية يتضمن الكثير من المخاطر المحتملة أمر مكلف للغاية.

ومع ذلك فإن التحركات الدبلوماسية التركية ذات المظهر العدواني كانت في واقع الأمر دفاعيةً إذ حاول صناع القرار الأتراك تغيير المعادلة الناشئة الساعية لتهميش تركيا في المشرق، لأن هذا الإقصاء والعزل لم يكن مقبولاً لأنقرة لا تاريخياً ولا جيوسياسياً ولا اقتصادياً.

لذلك بدأت أنقرة باتخاذ خطوات جريئة ومحفوفة بالمخاطر لتغيير الوضع المعادي لها في المناطق المجاورة.

ففي الشهرين الماضيين، زادت السلطات التركية من جهودها لإصلاح علاقات البلاد مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج ومصر.

وكانت دبلوماسية تركيا النشطة والبناءة وتعاونها الاستراتيجي مع ليبيا وأوكرانيا وأذربيجان وباكستان وأعضاء المجلس التركي من أبرز الأحداث في الأشهر العديدة الماضية.

وتمكنت البلاد من كسر الشعور بالحصار والتضييق واستعادة إثبات وجودها بمناورات دبلوماسية بناءة. كما أن جهود أنقرة لبدء عملية دبلوماسية أكثر نجاحاً مع أثينا صاغت هذا النشاط الدبلوماسي الجديد.

وباعتبارها المستفيد الأول من نقاط ضعف تركيا الجيوسياسية وبتشجيع من أنصارها في واشنطن وبروكسل وباريس، أرادت اليونان تشكيل تحالف واسع مناهض لتركيا تجديداً لفكرة “التوسع اليوناني” التي لم تكن بأي حال من الأحوال وجهة نظر جديدة.

ولطالما انتهكت السلطات اليونانية شروط معاهدة لوزان. ولم يكن تسليح جزر بحر إيجة قانونياً، وكذلك احتلال جزر صغيرة وانتهاك حقوق الإنسان للأقليات التركية المسلمة في تراقيا الغربية، ودعم ورعاية الجماعات والشبكات الإرهابية التي تستهدف تركيا، وغيرها من ممارسات السلطات اليونانية.

كذلك حاولت السلطات اليونانية بطريقة ما تحويل طموحاتها في شرق البحر المتوسط إلى مشكلة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. وبالفعل نجحوا نسبياً في مثل هذه الجهود، لكن طموحاتهم التوسعية المتطرفة التي اعتبروا عضويتهم في الاتحاد الأوروبي فرصةً لتحقيقها، لم تقنع حتى الدول الأعضاء في المنظمة الأوروبية.

واعتبرت السلطات في أثينا الدول التي لديها خلافات أيديولوجية أو تضارب في المصالح مع أنقرة حلفاء محتملين. وجاء منح واشنطن الدعم الكامل لرئيس الوزراء اليوناني “كيرياكوس ميتسوتاكيس” ديناميكية أخرى أدت إلى تنشيط أحلام القادة اليونانيين التوسعية.

ومع معاناة الاقتصاد اليوناني تحت ضغط وباء كوفيد-19 الشديد عليه وهو المعتمد على السياحة والخدمات راح يستعين بحزم المساعدات وأموال التعافي من الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك لم يمنع السلطات اليونانية من الشروع في خطط مشتريات دفاعية جديدة بذريعة التهديد التركي.

مع أنه في العقدين الماضيين، لم يذكر أي سياسي تركي جاد وجهات نظر توسعية من شأنها أن تهدد سيادة اليونان أو سلامة أراضيها. بينما كانت القومية المفرطة والتبشير بالأحلام التوسعية والسرديات المعادية لتركيا هي الأدوات التي استخدمها القادة اليونانيون لتوحيد المجتمع اليوناني.

ولسوء الحظ، راح بعض القادة الأوروبيين أيضاً يشجعون الطموحات غير الواقعية للتوسع اليوناني، بالرغم من أن تعزيز الطموحات التوسعية والمتطرفة للقيادة اليونانية تعتبر سياسة محفوفة بالمخاطر للغاية بالنسبة لبروكسل وواشنطن.

ومن المؤكد أن التوتر المتزايد بين تركيا واليونان لن يكون في مصلحة الناتو والاتحاد الأوروبي، لذلك حاولت ألمانيا تشجيع بناء الثقة والدبلوماسية البناءة بين أنقرة وأثينا، لكن الإجراءات التخريبية التي قام بها مفسدون آخرون أعاقت هذه الجهود. في حين سلط الجانب التركي الضوء على أهمية الحوار الدبلوماسي الحقيقي وعلاقات حسن الجوار في حل مشاكل اليونان وتركيا.

كما أشار وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو في مناسبات عديدة إلى استعداد تركيا للتحدث مع أثينا دون أي شروط مسبقة. كذلك صرح الرئيس رجب طيب أردوغان أن تركيا تريد حل المشاكل في شرق البحر المتوسط ومع اليونان من خلال الحوار.

ووجهت الدعوة لوزير الخارجية اليوناني “نيكوس ديندياس” إلى تركيا كجزء من جهود بناء الثقة، واستضافه أردوغان كما التقى به تشاوش أوغلو.

وكانت الاجتماعات الرسمية بناءة وواعدة في خلق بيئة دبلوماسية للتعامل مع القضايا الأكثر إثارة للجدل. لكن “ديندياس” قام لسوء الحظ بتخريب المؤتمر الصحفي. ولم تعكس تصريحاته الهجومية روح الاجتماعات بين الوفدين التركي واليوناني.

وكان من الواضح أن أثينا أصدرت تعليمات صارمة لديندياس للحفاظ على التوترات مع أنقرة. ورد تشاوش أوغلو على التعليقات الهجومية لنظيره اليوناني بنبرة مماثلة ما أظهر انعكاساً للفجوة الكبيرة بين الجارتين.

لقد كانت زيارة “ديندياس” فرصة ضائعة أخرى تضاف لما سبقها من الفرص الضائعة لبناء الثقة بين أنقرة وأثينا. ومن المحتمل أن تشيد دوائر قومية متطرفة معينة في بلاده بتعليقاته الشعبوية، رغم أن هذه العقلية الشاذة لن تخدم مصالح اليونان أو تركيا.

أما النهج الأكثر فعالية وكفاءة لجعل كل من اليونان وتركيا أكثر أمناً وازدهاراً فهو دعم الحوار الحقيقي والتعاون بين أثينا وأنقرة على أساس علاقات حسن الجوار. مع أن القادة اليونانيون بتشجيع من الجهات الخارجية، فضلوا الطريقة الأخرى.

[ديلي صباح عربي]

تسميات