القواعج العسكرية في العراق

إستراتيجية القواعد العسكرية التركية في العراق

ملخّص يتناول هذا البحث القواعد العسكرية التركية في العراق وأهميتها لأمن تركيا؛ إذ إنّ هذه القواعد العسكرية الموجودة في عدة نقاطٍ في العراق وفي مقدمتها بعشيقة ضروريةٌ من أجل أمن الحدود التركية الجنوبية. إنّ تركيا بدأت تبدي حضورًا عسكريًّا في العراق بعد أن وجد تنظيم حزب العمال الكردستاني بيئة ملائمة للاستقرار والانتشار في العراق في الثمانينيات. فهذا التنظيم الإرهابي أنشأ العديد من المعسكرات في شمال العراق، ونقل أنشطته العسكرية والأيديولوجية إلى هذه المنطقة، وانتقل أعضاء التنظيم من هذه المعسكرات إلى تركيا، ونفّذوا عمليات إرهابية. في المقابل بنت تركيا قواعد عسكرية في المنطقة، وأخذت تنفّذ عمليات خارج حدودها لمحاربة هذا التنظيم بعد التطورات التي خلقتها الحرب التي اندلعت في سوريا في السنوات الماضية.

إن الأحداث التي وقعت في قاعدة “شيلادزي” العسكرية ضمن حدود مدينة دهوك التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق (IKBY)، يوم السبت 26 كانون الأول 2019 تسبّبت في توجه الأنظار من جديدٍ نحو القواعد العسكرية التركية في العراق. وفي بيانٍ لها حول هذه الأحداث أعلنت وزارة الدفاع الوطنية التركية عن وقوع بعض الخسائر في “العتاد والمواد”، من دون وقوع خسائر في الأرواح إثر الأحداث التي وقعت نتيجة عمليات استفزازية قام بها تنظيم حزب العمال PKK   الإرهابي.[1] في المقابل نفت مصادر قريبة من التنظيم الإرهابي ما جاء في بيان وزارة الدفاع التركية، وقالت: إن سكان المنطقة احتجّوا ضد الوجود العسكري التركي في المنطقة، وإن العناصر العسكرية التركية أطلقت النار على المدنيين. ونسب التنظيم الإرهابي سبب هذه الاحتجاجات إلى العمليات الجوية التي نفذّتها تركيا في المنطقة.

 

ونفى رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان العراق آنذاك نيجيرفان برزاني ما جاء في وسائل الإعلام المقربة من تنظيم PKK، وقال: إن تركيا نفذّت العمليات الجوية ضد عناصر PKK لا ضد القرويين، وعزا سبب هذه العمليات إلى وجود عناصر PKK الإرهابي في المنطقة.[2] واستطاعت تركيا بعملياتها الناجحة في شمال العراق في الآونة الأخيرة، وقضائها على عشرات العناصر من تنظيم PKK، أن تشلّ حركة هذا التنظيم الإرهابي إلى حدّ كبير، وضاق عليه الأمر، فلجأ إلى دعوة سكان المنطقة إلى الاحتجاج على الوجود العسكري التركي في المنطقة. وبهذه الطريقة يريد تنظيم PKK أن يجعل وجود المعسكرات والقواعد العسكرية التركية في المنطقة موضع جدل ونقاش في سياسة العراق الداخلية والسياسات الإقليمية.

 

يهدف هذا البحث إلى تقييم الأهمية الإستراتيجية التي تحملها القواعد العسكرية التركية في العراق لأمن تركيا. ويتكون من ثلاثة مباحث: في المبحث الأول يتوقف عند الأسباب التي تحتّم على تركيا أن تكون حاضرة عسكريًّا في شمال العراق، وفي المبحث الثاني يشدّد على أهمية شمال العراق لأمن تركيا، وفي المبحث الثالث يتناول الانعكاسات الإقليمية للمعسكرات والقواعد العسكرية التركية خارج حدودها. وفكرة المقال تقوم على ضرورة الوجود العسكري التركي في شمال العراق.

 

لماذا العراق؟

 

العراق دولة مهمّة جدًّا لأمن الحدود الجنوبية لتركيا، إضافةً إلى العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية التي تربط بين البلدين. وفي هذا الصدد، يمكن الوقوف عند بعض النقاط المتداخلة التي تشكّل العلاقات التركية العراقية.[3]

 

أولًا: يأتي الحفاظ على وحدة العراق وسيادتها بين أكثر الأهداف أهمية لتركيا، والسبب في ذلك يعود إلى أن تركيا تأثرت بالأزمات التي عاشتها العراق محليًّا ودوليًّا منذ الثمانينيات. فالحرب العراقية الإيرانية التي دامت طويلًا خلقت بيئة تفتقر إلى الاستقرار في جنوب تركيا، ولم يحقّق كلٌّ من البلدين نصرًا حاسمًا، وتدهورت الأوضاع فيهما سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.[4] وإنّ استخدام صدام حسين الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد، ومقتل الآلاف من الناس ضمن الديناميات التي خلقتها الحرب مع إيران في شمال العراق- ترك العراق يصارع الأزمات من نواح كثيرة، فتصاعدت التوترات بين نظام صدام والقوى الإقليمية، وقُمِع النظام دوليًّا، وتفاقمت أزمة السلطة داخل البلاد، ثم أدّى غزو الكويت والتدخل في الشأن العراقي بقيادة الولايات المتحدة إلى حصول تطورات سلبية جديدة، إضافةً إلى بيئة غير مستقرّة بالنسبة إلى تركيا. فقد برزت موجة هجرة كبيرة للمدنيين العراقيين إلى حدود تركيا الجنوبية هربًا من الصراعات، وفتحت تركيا أبوابها للمدنيين، واضطرت في الوقت نفسه إلى تحمل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن هذا الوضع. فكان لزامًا أن تؤثر هذه الصراعات في العلاقات التجارية المستمرة بين تركيا والعراق، وحُملت الشركات التركية العاملة في العديد من المجالات؛ على الإحساس بالآثار السلبية للحروب لسنوات عديدة. وكانت كلفة حرب الخليج على تركية 50 مليار دولار تقريبًا.[5] ومن هنا فإن وجود بنية مستقرة خالية من التوترات، وبنيةٍ تسمح ببناء علاقات سياسية واقتصادية سليمة، هو من أولويات تركيا على الصعيد الإقليمي، والطريق إلى تحقيق هذه البنية يمرّ من دول الجوار التي تستطيع الحفاظ على وحدتها وسيادتها.

 

ثانيًا: يُعدّ تطهير الأراضي العراقية من العناصر الإرهابية التي تهدد أمن تركيا واحدًا من أهداف أنقرة الرئيسة. فقد ظهرت فجوة في السلطة في شمال العراق تحديدًا؛ لأن بغداد عجزت عن إحكام سيطرتها على هذه المنطقة لسنوات عديدة، فخلق هذا الوضع بيئة مناسبة لنمو التنظيمات الإرهابية. فالإرهاب يمكنه أن يظهر حيثما وجِد المكان والإمكانات المادية والسلاح.[6] ومع بدء انتقال عناصر تنظيم PKK إلى منطقة قنديل قادمًا من معسكراته في سوريا ولبنان، أصبحت شمال العراق أكثر أهمية بالمعنى الأمني في نظر تركيا. فالتنظيم الإرهابي الذي استفاد من الموقع الإستراتيجي لمنطقة قنديل بلغ حالةً تهدد أمن تركيا من خلال الفرص التي اغتنمها، سواء من حيث المكان والإمكانات المادية أم من حيث التسليح؛ علمًا أنه ينفذ عملياته الإرهابية من هذه المنطقة.

 

إلى جانب البيئة التي خلقتها الحرب العراقية الإيرانية، أسهمت منطقة الحظر الجوي التي أنشأتها الولايات المتحدة في أوائل التسعينيات في تحويل شمال العراق إلى منطقة مواتية بالنسبة لتنظيم PKK . [7] فكانت أزمة السلطة واحدة من أهم عواقب الحرب المنهكة التي دامت طويلًا مع إيران. إذ بدأ نظام صدام الذي أصبح مهترئًا من نواح كثيرة يفقد سلطته في مناطق معينة، ونشأت مشكلات كبيرة في شمال البلاد وجنوبها. وتعالت الأصوات التي تطالب بالحكم الذاتي، ففتِح الباب أمام أكراد العراق لبناء الحكم الذاتي بسبب منطقة الحظر الجوي التي دخلت حيز التنفيذ بفعل الضغط الأمريكي على وجه الخصوص. في الفترة التالية اتّخذ الأكراد العراقيون الخطوات اللازمة لإنشاء برلماناتهم وإداراتهم، لكن هذه الفترة شهدت أيضا صراعات عنيفة. فأصبحت أربيل والسليمانية مركزين لقوتين تتقاتلان من أجل السلطة.[8] ويمكن اعتبار الفترة بين عامي 1992 و1996 فترة حرب أهلية بين القوات المسلحة التابعة لمسعود برزاني، والقوات المسلحة التابعة لجلال طالباني. ونتيجة هذه الحرب تكبد الجانبان خسائر كبيرة، ولم يستطع جانب أن يتفوق على الآخر، واكتفى كل جانب بإحكام سلطته في المناطق الواقعة تحت سيطرته.

 

يمكن القول باختصارٍ إن ضعف حكومة بغداد، والصراع على السلطة بين الأكراد، خلقا فرصةً كبيرةً أمام تنظيم PKK للاستقرار في المنطقة وإقامة بنية تحتية أيديولوجية، فأنشأ لنفسه مساحةً آمنةً للتحرك في المنطقة؛ مستفيدًا من الظروف القائمة. فوضعت تركيا هذا الوضع في مركز اهتماماتها، وتوجهت لعلاقاتها مع العراق. بعبارةٍ أخرى، إلى جانب بغداد، أخذ اللاعبون السياسيون الذين يسيطرون على الأقاليم في شمال العراق مكانهم في السياسة التي تتبعها تركيا حيال العراق، حيث عملت تركيا على الحدّ من الأنشطة الإرهابية التي من شأنها أن تهدّد أمنها في العراق.

 

يُعدُّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 من نقاط التحوّل المهمّة في سياسة تركيا تجاه العراق؛ فبسبب هذا الغزو الأمريكي، دخلت العراق في دوامة من العنف استمرت لسنواتٍ عديدةٍ، وكان المكافئ السياسي للبنية العرقية والدينية المنقسمة في البلاد هو العنف والصراع والخلاف.[9] أدّى هذا الوضع إلى خلق حالةٍ من عدم الاستقرار، شملت داخل العراق، أولًا ثم بلدان المنطقة. وبدأت القوى الإقليمية تنشط في العراق مستفيدةً من هذا الوضع. ومع اشتداد حدة الصراع السني الشيعي، اتسع نفوذ إيران في العراق، ومما يشير إلى ذلك هو أن كثيرًا من رجالات السياسة من الشيعة الذين كانوا في المنفى أيام صدام حسين أصبحوا مؤثرين في الإدارة العراقية في الفترة الجديدة.[10] واضطرت تركيا إلى أن تتحمل التكاليف المترتبة عليها بسبب كونها جارةً لدولةٍ عاجزةٍ عن تحقيق استقرارها الداخلي، ودولةٍ تنشط فيها القوى الإقليمية وينتشر فيها العنف، وازدادت هذه التكاليف المترتبة على تركيا بعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011 بناءً على قرار إدارة أوباما، لأن هذا القرار أفضى إلى تمدد إيران في المنطقة بشكل أسهل، وظهور تنظيم داعش في المنطقة. وقد استطاع هذا التنظيم الإرهابي الناشط في العراق أن ينقل عملياته الإرهابية إلى سوريا وتركيا وأوربا إبان الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا، وهو ما يشير إلى إمكانية أن يظهر الإرهاب مرةً أخرى كلما كانت الفرصة مواتية.

 

بناءً على طلب الحكومة العراقية، بنت تركيا قاعدةً عسكريةً في منطقة بعشيقة بغرض التدريب ضد تهديد داعش.[11] وبفضل هذه القاعدة العسكرية، حققت تركيا إسهاماتٍ كبيرةً في مكافحة الإرهاب بالتحرك جنبًا إلى جنبٍ مع القوات العراقية. وبالمثل، استفاد تنظيم PKK من التطورات الجارية في المنطقة، واغتنم الفرصة للتوسع في سنجار وشمال سوريا. في المقابل تبدي تركيا موقفًا حازمًا في محاربة الإرهاب من خلال تنفيذ عملياتٍ ضد تنظيم PKK في سنجار، وهي محقّةٌ في ذلك، لأن انتشار التنظيمات الإرهابية أمرٌ لا يمكن أن تتقبّله أي دولةٍ في العالم.

 

إن تركيا ومثيلاتها من الدول تحتاج بالدرجة الأولى إلى حدودٍ آمنةٍ مستقرةٍ في سبيل تحقيق التنمية، ولهذا السبب كان من المهمّ للغاية تأمين وحدة الأراضي في العراق التي تشكّل مصدرًا لعدم الاستقرار منذ فترات طويلة، ولا شكّ أن عدم الاستقرار يجعل الدول مفتوحةً أمام التدخلات الأجنبية، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يحدث بالضبط في العراق، فتمدد تنظيم PKK وظهور داعش في العراق يعرضان بشكل واضح ما يمكن أن يحدث لأي دولة تعاني عدم الاستقرار، ولهذا السبب تبدي تركيا حضورًا عبر قواعدها العسكرية التي بنتها في الأراضي العراقية، إلى جانب العمليات التي تنفذها خارج حدودها منذ سنوات طويلة، حفاظًا على أمنها.[12] فهذه القواعد تسهم إسهامًا كبيرًا في مكافحة الإرهاب، والخدمات التي يقدّمها معسكر بعشيقة واضحة لا تخفى، فالقواعد تمهّد الطريق أمام قوات الأمن للعمل ضد العناصر الإرهابية التي تهدّد أمن البلاد.

 

بموجب “اتفاقية التعاون وأمن الحدود” التي وُقِّعت عام 1983 بين تركيا والعراق فُتح الطريق أمام تركيا للقيام بالعمليات داخل العراق، وشكّلت الاتفاقية أرضية مشروعةً لهذه العمليات. بشكل مشابهٍ، وُقِّع بروتوكول أمني بين تركيا والعراق في تشرين الأول من عام 1984[13]،  وقد مهّد هذا البروتوكول الطريق أمام القوات التركية لدخول الحدود العراقية إلى عمق 5 كيلومترات من دون إبلاغ السلطات العراقية. فقامت تركيا بالملاحقة الساخنة ونظّمت عملياتٍ خارج حدودها في أوقاتٍ متفرقةٍ. بالمقابل أطلقت العراق التي تملك الحقّ نفسه بموجب الاتفاقية عمليةً عسكريةً ضد الجماعات الكردية في شمال البلاد إبان حربها مع إيران التي دامت حوالي 8 سنوات، لكنها لم تستعمل حقها في الملاحقة الساخنة ضد الجماعات الكردية التي تجاوزت حدود تركيا.

 

في عام 1984 نفّذت تركيا أولى عملياتها عبر الدخول إلى الأراضي العراقية ومعها حوالي 7 آلاف جنديٍ للقضاء على الإرهابيين.[14] واستُهدِفت المنطقة الواقعة بين العمادية وزاخو القريبتين من الحدود التركية العراقية. واستمرت العمليات الموجهة للعراق على فترات زمنية معينة خلال عشرات الأعوام الماضية، وقُضِيَ على آلاف الإرهابيين. إذ جرى في إطار العمليات استهداف المعسكرات التي تقدّم التدريب العسكري والأيديولوجي المنتشرة على مناطق مختلفة، في مقدمتها نقاط تقاطع الحدود التركية الإيرانية العراقية. ومنطقة قنديل التي تُعدُّ من أهم هذه النقاط، إذ تُستعمَل بمثابة مستودع للأسلحة والعتاد، إلى جانب كونها قاعدة عسكرية رئيسة لتنظيم PKK، ومركزًا للتدريب العسكري. وقد أُسِّست معسكرات حفتانين وأفاشين والزاب وحاكورك في مناطق قريبة من الحدود التركية، وتبدي فعالياتها في مجالات عديدة؛ بدءًا من التدريب الأيديولوجي وانتهاءً بمحاكم التنظيم، وتؤمّن في الوقت ذاته سهولة العبور إلى تركيا؛ نظرًا لقربها من الحدود. هذه الأسباب حملت تركيا على إقامة قواعد عسكرية في المناطق المذكورة. فالقواعد العسكرية الموجودة في نقاط مختلفة وعلى رأسها بعشيقة وأربيل وزاخو ودهوك توفر لقوات الأمن مساحة للتحرك من أجل العمليات العسكرية والاستخباراتية على حد سواء.

 

ما أهمية شمال العراق؟:

 

منطقة شمال العراق منطقةٌ حيويةٌ بسبب تنظيم حزب العمال الكردستاني PKK. فهذا التنظيم الذي استقر وانتشر في المنطقة لسنوات عديدة يقيم عددًا من المعسكرات الكبيرة والصغيرة ويهدّد أمن تركيا، نذكر من أهمها: معسكرات قنديل، هنيرا، حاكورك، أفاشين، باسيان، الزاب، متينا، سينات، حفتانين، غارا. ويستفيد من مزايا الحدود التركية والإيرانية والسورية، فالوجود قريبًا من هذه الحدود الثلاثة يؤمّن بيئةً آمنةً من حيث تأمين الجغرافية المناسبة للتنظيم، والإمكانات المادية، وتأمين السلاح، ويوفر إيرادات كبيرة في مجالات عديدة، ابتداء من تجارة المخدرات وانتهاء بتهريب السلاح والبشر.[15] ومن منطقة قنديل وجّه تنظيم PKK عددًا كبيرًا من العمليات الإرهابية التي نفّذها في تركيا بعد عبوره إليها قادمًا من سوريا ولبنان.

 

ومع الحرب الأهلية السورية شهدت الإمكانات التي يملكها تنظيم PKK زيادة كبيرة.[16] وبدأ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي هو امتدادٌ لتنظيم PKK بالانتشار في شمال سوريا بدعم أمريكي في إطار الحرب على تنظيم داعش، حيث قدمت واشنطن آلاف الشاحنات المحملة بالعتاد والسلاح، وهذا فتح الطريق أمام شرعية التنظيم على الصعيد الدولي. وفي إطار محاربة الإرهاب اكتشفت تركيا أن الأسلحة التي كانت بحوزة التنظيم أسلحةٌ أمريكية، وهذا الوضع يشير إلى ازدياد إمكانات التنظيم.

 

ومنطقة قنديل هي المنطقة التي يتحرك فيها تنظيم PKK بأريحيةٍ، بسبب طبيعتها الوعرة وموقعها الذي ينتشر على الحدود الإيرانية والعراقية. وخروج هذه المنطقة عن سيطرة تركيا المباشرة يمنح تنظيم PKK الإرهابي شعورًا بالأمان. ورغم أن القوات المسلحة التركية استطاعت تفكيك خلايا التنظيم مرات كثيرة من خلال العمليات التي نفذتها بنجاحٍ خارج الحدود التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن التنظيم وجد فرصة التعافي من جديدٍ في كل مرة بحكم طبيعة الموقع كما أشرنا. وهذا الوضع دفع تركيا إلى إقامة القواعد العسكرية في المنطقة لبسط سيطرتها المباشرة ومكافحة الإرهاب بشكلٍ أكثر فعالية، وقد قدمت هذه القواعد العسكرية بالفعل خدمات مهمة في نطاق مكافحة الإرهاب. وتشير التجارب السابقة إلى أن العناصر الإرهابية يمكنها أن تعود مرة أخرى وتتحرك بأريحيةٍ، عند انتهاء العمليات العسكرية أو الملاحقات الساخنة إبان الهجوم، وبفضل هذه القواعد يمكن سلب هذه الإمكانية من يد التنظيم الإرهابي، بتقييد حركة الإرهابيين، والتضييق عليهم، وحملهم على ارتكاب الأخطاء.

 

ولا بد أن نقول هنا: إن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وانسحابه منها عام 2011 زعزع جذور التوازنات في المنطقة، حيث صارت العراق مسرحًا للصراع السني الشيعي، وحصل أكراد العراق على ضماناتٍ كانت كفيلةً بتحويلهم إلى لاعبين مهمّين في سياسة البلاد. ومع الدستور الذي قُبِل عام 2005 عزّز الأكراد مكانتهم، وحصلت حكومة إقليم كردستان العراق على وضع دستوري بعد أن كانت تُدَار بحكم الأمر الواقع منذ عام 1992[17]. كما حصل الأكراد على وضع تمثيلي مهمّ في السياسة بعد أن أصبح جلال طالباني رئيس الجمهورية نتيجة اتفاق الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد. ويمكن الإشارة إلى الاستفتاء المزعوم الذي جرى في 25 أيلول 2017 بزعامة مسعود برزاني رغم جميع الاعتراضات بوصفه مثالًا عن انعكاسات هذا الوضع على وقتنا الراهن. فقد كانت تركيا من بين أكثر الدول الإقليمية التي عارضت بشدةٍ الاستفتاء المذكور.[18] واستمرت الاعتراضات والضغوطات إلى أن استقال مسعود برزاني من منصب رئاسة الجمهورية. أما الفترة التي تلت عام 2011 فقد كانت بالنسبة إلى تركيا أكثر أهمية، وذلك بسبب ظهور داعش، وانتشار تنظيم PKK في سوريا. وارتفعت أصوات الاعتراضات التركية بلهجةٍ حادةٍ حين تنبأت بإمكانية أن يقوم تنظيم PKK بإنشاء ممر إرهابي يمتد من منطقة قنديل إلى داخل سوريا بعد استقراره في سنجار بذريعة الحرب على داعش.

 

فالحديث عن تشكيل ممر إرهابي في جنوب تركيا يمتد من إيران إلى سوريا أصبح ممكنًا في ظل الأزمات والصراعات الناجمة عن التطورات الإقليمية والدولية والمحلية التي تشكل الظروف المواتية لظهور التنظيمات الإرهابية.[19] أضف إلى ذلك أن ضعف السلطة الذي يؤمّن المكان المناسب لظهور الإرهاب، وعدم خضوع المنطقة للسيطرة يعملان على تسهيل عبور الإرهابيين بأعدادٍ كبيرةٍ من منطقة إلى أخرى، وهذا الوضع يحلّ مشكلة الموارد البشرية للتنظيم. ولا ننسى هنا الأسباب الاقتصادية لعبور الحدود إلى جانب نية القيام بالعمليات الإرهابية. وبفضل إمكانية العبور بين الحدود استطاع تنظيم PKK أن يحقّق إيرادات كبيرة من تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر. أضف إلى ذلك أن ظروف المنطقة تخلق بيئةً مناسبةً لتوريد الأسلحة والذخائر، وقد تبين أن الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة لحزب الاتحاد الديمقراطي بحجة محاربة داعش أُرسِلت إلى مناطق متفرقة. وهذا الوضع بالجملة، يحمل تركيا على الاستثمار في القواعد العسكرية؛ لأن هذه القواعد تؤدّي دورًا كبيرًا في السيطرة على المنطقة والحدود، وضبط العبور بين طرفي حدود المنطقة، بل يمكنها أن تؤدي دورًا مهمًّا في اجتثاث التنظيم والقضاء عليه كليًّا.

 

وفيما يتعلق بالسياسة المحلية، يشكّل شمال العراق مسرحًا للصراع من أجل السلطة بين قوتين سياسيتين مهمّتين، ومن الممكن رؤية انعكاسات هذا الوضع على قضايا مثل: انتخاب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، وتشكيل حكومة إقليمية، والعلاقات مع بغداد ودول المنطقة، والقضايا الأمنية. وقد تمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (KYB) اللذان حصلا على أكبر عددٍ من الأصوات في الانتخابات العامة لحكومة إقليم كردستان العراق في 30 أيلول 2018 من التوصل إلى اتفاقٍ على تشكيل الحكومة بعد مرور 8 أشهر. وقد جرت المحادثات بين الطرفين لتشكيل الحكومة بصعوبةٍ كبيرةٍ، وفي كثير من الأحيان غادر الطرفان طاولة المحادثات. وبالمثل، قاطع الاتحاد الوطني الكردستاني البرلمان في اقتراعات انتخاب الرئيس الجديد خلفًا لمسعود برزاني.[20] ولا يزال الطرفان يتراشقان الاتهامات في موضوع كركوك، فيتهم الحزب الديمقراطي الكردستاني الاتحادَ الوطني الكردستاني بسحب قواته من كركوك بالتفاوض مع الحكومة المركزية بعد استعادة كركوك من قبل القوات العراقية إبان استفتاء عام 2017[21]. وبشكلٍ مماثلٍ جرى تجاهل الاتفاق اعتبارًا من 2005، من خلال ترشيح كل من الطرفين مرشحًا لهما في انتخابات رئاسة الجمهورية.[22] وقام الاتحاد الوطني الكردستاني، كما في الانتخابات السابقة، بتحديد مرشحه الرئاسي، بينما زعم الحزب الديمقراطي الكردستاني أن تحديد المرشح في هذه الانتخابات يجب أن يكون من حقه. وفي الوقت الذي يستمرّ فيه التوتر بين الطرفين، لا ينبغي تجاهل تأثير التوازنات الحاصلة بين بغداد وإيران والولايات المتحدة في عملية تحديد المرشحين. فتحول الجدل الدائر ضمن ديناميات السياسة المحلية إلى عمليات تدخل فيها العديد من اللاعبين الخارجيين. وأخيرًا جرى انتحاب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، برهم صالح رئيسًا للجمهورية.[23]

 

إن التنافس بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وتدخل اللاعبين المختلفين في هذه العملية، يخلقان بيئةً مواتيةً لنشاط تنظيم PKK في المنطقة. فالأزمة الاقتصادية، وموقف تركيا (موقفها الحازم إبان الاستفتاء)، والنفوذ الإيراني، وتهديد داعش، وموقف الولايات المتحدة، والعلاقات مع بغداد، كل ذلك يضع حكومة إقليم كردستان العراق تحت ضغوطاتٍ كبيرة. ولن يكون واقعيًّا في هذه البيئة التوقع من حكومة أربيل أن تتخذ موقفًا أمام حزب العمال الكردستاني الذي ينشط في عدة معسكرات، ولا سيما في معسكر قنديل منذ سنوات عديدة، والذي استقر في سنجار في السنوات القليلة الماضية. لهذا السبب، يبدو أنه من غير الممكن الحديث عن وجود قدرة ولا عن إرادة، وهذا ما يؤكده العديد من الجهات السياسية الفاعلة التي تجري مقابلتها داخل حكومة إقليم كردستان. ويُذكَر أيضًا أنه لن يكون بمقدور أي حزب سياسي أن يضع تنظيم PKK الإرهابي في لوحة الهدف مباشرةً؛ لأن نشاطاته المسلحة والأيديولوجية تلقى حاضنةً محددة لدى سكان المنطقة.

 

ويمكن القول: إن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لديهما مواقف متباينة تجاه تنظيم حزب العمال الكردستاني.[24] ففي المناطق الخاضعة لسيطرة برزاني لا يجد تنظيم PKK إمكانية التحرك نسبيًّا، بخلاف المناطق الخاضعة لسيطرة عائلة الطالباني التي تنشط فيها العناصر التابعة لتنظيم PKK. فمدينة السليمانية على سبيل المثال هي موطن لنشاطات أعضاء تنظيم PKK، حيث توفر مركز المدينة احتياجات الإرهابيين فيما يتعلق بالدعاية السياسية والمؤتمرات والتدريب والعلاج الطبي. وأمام أنشطة تنظيم PKK المتزايدة، تبدي تركيا ردود فعلٍ شديدة اللهجة منذ فترات طويلة، وقامت بفرض العقوبات في مجالات كثيرة بما في ذلك إغلاق المجال الجوي في السليمانية. فاضطرت السلطات أمام هذا الوضع إلى إغلاق مكاتب حزب سياسي تابع لحزب العمال الكردستاني في وسط مدينة السليمانية وحولها، وقد نالت هذه الخطوة إعجاب تركيا التي أشارت إلى ضرورة اتخاذ مزيدٍ من الخطوات،[25] ورغم ذلك، بقيت التنظيمات الإرهابية التي تشكل امتدادًا لتنظيم PKK تقوم بنشاطاتها دونما توقف.

 

وارتفعت حدة موقف تركيا المعارض للاستفتاء على الاستقلال الذي جرى عام 2017 في عهد مسعود برزاني من جانبٍ، واتخذت الخطوات اللازمة لتحسين العلاقات مع حكومة العراق المركزية من جانبٍ آخر؛ لأن تطلعات حكومة إقليم كردستان العراق إلى الاستقلال تهدد وحدة الأراضي العراقية. وانعدام الاستقرار في العراق وتحولها إلى بؤرةٍ عميقةٍ من الحروب يأتي في مقدمة القضايا التي تخشاها تركيا حفاظًا على أمنها، ويفتح الباب كذلك إلى احتمال أن تفضي مطالب الاستقلال إلى إيجاد بيئة صراعٍ تطال كركوك أيضًا، ويشكل بذلك خطرًا على حياة التركمان الذين يعيشون في المنطقة. فتركيا باختصار لا تريد أن تكون هناك منطقة تتمتع بعدم الاستقرار والفلتان الأمني الذي يخلق بيئة ملائمة للإرهاب في حدودها الجنوبية. ولهذه الأسباب تتخذ تركيا مختلف التدابير الكفيلة بالحفاظ على أمنها، وهذا هو السبب الرئيس الكامن وراء سعيها لبناء المعسكرات والقواعد العسكرية في المنطقة. ومن الجدير ذكره هنا أن انفتاح المنطقة على التدخلات الدولية يؤدّي دورًا في خلق بيئةٍ تكثر فيها الحروب وينعدم فيها الاستقرار.

 

إن القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة في الأيام الماضية بشأن الحفاظ على وجودها العسكري في العراق، لمراقبة إيران على وجه الخصوص- بيّن مرة أخرى أن المنطقة تملك توازنات حساسة للغاية.[26] وردًّا على تصريحات ترامب، قام السياسيون الشيعة المقربون من إيران بصياغة مشروع قانون لإخراج القوات الأمريكية من العراق.[27] وعلى الرغم من صعوبة سن مشروع القانون، فإن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يحوّل العراق إلى منطقةٍ تتقابل فيها قوى مختلفة.[28] وفي حال سنّ مشروع القانون يُتوقَّع أن يُثار الجدل حول القواعد العسكرية التركية في العراق. فمن الملاحظ أن أيّ توترٍ في العراق يمكنه أن تُضمّ إليه تركيا بسهولةٍ. كما أن الحزم والنجاح اللذين حققتهما تركيا في مكافحة الإرهاب خلال الأعوام الماضية أديا إلى تحول الأنظار صوب قواعدها العسكرية في العراق. وسرعان ما يكون هناك مؤيدون لأي مبادرةٍ من شأنها أن تقيّد نفوذ تركيا في المنطقة، فالتوترات التي تنشب في المنطقة على الصعيد السياسي من شأنها أن تعود على تركيا بتكاليف باهظة.

 

وأخيرًا يمكن القول إن القواعد العسكرية التركية في شمال العراق لها مهمّتان رئيستان: أولهما أنها تفتح الطريق أمام اتخاذ التدابير اللازمة لصد التهديدات من خلال تأمين الحصول على المعلومات الاستخباراتية الوقائية ضد التنظيمات الإرهابية في المنطقة. وثانيهما أنها ترفع المهارات العملياتية لدى الوحدات العسكرية التي تنزل إلى الساحة في نطاق مكافحة الإرهاب، وتشكل عنصرًا رادعًا للتهديدات الأمنية كافة.

 

الوجود العسكري التركي وتداعياته على المنطقة:

بفضل سياساتها الناجحة، تحولت تركيا إلى قوة فعالة في النظام الدولي. فالكثيرون يرون أن تركيا بإمكاناتها العظيمة تملك موقعًا بين اللاعبين الأقوياء واللاعبين الضعفاء في النظام الدولي.[29] وفي هذا السياق استُخدِم مفهوم القوة الوسطى (middle power). فقد نجحت تركيا في توسيع نفوذها في المنطقة من خلال العلاقات التجارية والدبلوماسية والعسكرية مع دول المنطقة، والقوات العسكرية التي أقامتها خارج حدودها نتيجة للعلاقات العسكرية التي بنتها مع دول المنطقة تؤدي وظائف إستراتيجية، وتجدر الإشارة إلى أن تركيا لاعبٌ فعالٌ في مكافحة الإرهاب، وإنهاء الصراع، وتحقيق وضمان السلام الدائم، وأن القواعد العسكرية المبنية في سوريا والصومال، إضافة إلى معسكر بعشيقة الذي أُنشِئ في العراق لمحاربة داعش، لا تزال تقوم بمهامها. وهناك قواعد عسكرية تركية منتشرة في بلدان أخرى مثل: قطر، والبوسنة والهرسك، وألبانيا، ولبنان، وجمهورية قبرص الشمالية، وكوسوفو، وأفغانستان، وأذربيجان.

 

ولا ننسى أن الفضل الكبير في ذلك يعود إلى الاستثمار في الصناعات الدفاعية والعلاقات الدبلوماسية التي يجري تسييرها بنجاحٍ في السنوات الأخيرة.[30] وتركيا التي تعد واحدة من أهم القوى الإقليمية لم تتوان لحظةً عن أخذ زمام المبادرة لأسباب إنسانية أو أمنية، إذ اتخذت خطواتٍ مهمّةً وجوهرية أمام التوازنات الجديدة التي تشكلت في المنطقة عقب الربيع العربي على وجه الخصوص. فالمظاهرات المناهضة للنظام في سوريا قُمِعَت بشدةٍ في فترة الربيع العربي، وجُرَّت البلاد إلى حرب أهلية، ومع التدخل الإيراني والروسي تغيرت التوازنات في المنطقة بسرعة كبيرة.

 

وفي عام 2019 أصبحت قضية إدلب واحدة من أهم القضايا في الحرب الأهلية السورية.[31] فمحادثات أستانا التي جرت بين تركيا وروسيا بناءً على مواقف تركيا الثابتة أسفرت عن نتائج مهمّة، إذ أخذت تركيا تتحرك جنبًا إلى جنبٍ مع عددٍ من اللاعبين الدوليين من أجل أمنها وأمن المنطقة، وتبذل جهودًا لتشكيل بيئة مستقرة، حيث قامت بعددٍ من العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية التي تهدد حدودها. وما العمليات التي نفذتها تركيا ضد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو امتداد لتنظيم حزب العمال الكردستاني، وضد داعش، إلا إشارة إلى مواقف تركيا الثابتة من أجل أمنها. أما نزول تركيا إلى الساحة وإظهار حضورها العسكري؛ فقد خفف التهديد القادم من الإرهابيين إلى أدنى مستوياته.

 

لن يكون غلوًّا أن نقول: إن تركيا هي من أكثر البلدان تأثّرًا بالتطورات الجارية في المنطقة، فعند النظر إلى الأحداث التي وقعت منذ عام 1999، نجد أن تركيا اضطرت لتحمُّل عددٍ كبيرٍ من الأعباء على الصعيدين الاقتصادي والسياسي،[32] وأنها لم تسلم بأي شكل من الأشكال من آثار الأحداث التي جرت في المنطقة بدءًا من مجازر البوسنة وانتهاء بجميع المشكلات الجارية في وقتنا الحاضر. ومع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان إبان أحداث 11 أيلول أصبحت تركيا تتبوّأموقعًا أكثر أهمية من ذي قبل. وتوترت العلاقات التركية الأمريكية حين رفض مجلس الأمة التركي الكبير طلب الولايات المتحدة استخدام الأراضي التركية لغزو العراق.[33] ومع غزو العراق تحوّلت العراق إلى دولة فيدرالية وانتشرت العمليات الإرهابية فيها، الأمر الذي أدّى إلى خلق بيئة غير مستقرة على الحدود الجنوبية لتركيا. وبقيت تركيا وجهًا لوجهٍ مع مأساةٍ إنسانيةٍ نتيجة توجه ملايين البشر إلى شمال سوريا بسبب الحرب التي اندلعت فيها، وتولدت احتمالية بناء ممرّ إرهابي عند حدودها الجنوبية إثر انتشار عناصر داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي، وأدى انسحاب الولايات المتحدة من العراق وعدم تدخلها في الحرب الأهلية السورية إلى توسيع نفوذ القوى الإقليمية مثل روسيا وإيران.

 

في مثل هذه البيئة، أجبِرت تركيا على القيام بعددٍ من المبادرات من أجل أمنها وسياساتها الإقليمية. وينبغي القبول بأن الوجود العسكري لتركيا في المنطقة حاجةٌ لا مفرّ منها، لذلك نزلت تركيا إلى الساحة ونفّذت عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، واستطاعت الجلوس على طاولة المفاوضات مع روسيا وإيران. وفي هذا الإطار يمكننا تقييم إعلان تركيا عن نيتها في القيام بعملية لبناء منطقة آمنة شرق الفرات بعد إعلان إدارة ترامب الانسحاب من سوريا.

 

إن القواعد العسكرية التي بنتها تركيا تحمل أهمية كبيرة لتأسيس نفوذها بالمعنى الإقليمي. ولا تزال القواعد العسكرية الموجودة في العراق أو في مناطق أخرى متفرقة تؤدي خدماتها في سبيل أمن البلاد. وتلبي القواعد العسكرية المبنية استراتيجيًّا تطلعات تركيا، فالوجود في الساحة يفتح الطريق أمام تركيا لتصبح جزءًا من التوازنات السياسية المتشكلة في المنطقة، وأكبر مؤشر على ذلك هو محادثات أستانا والجدل الدائر حول المنطقة الآمنة في شرق الفرات.

 

خاتمة:

يتكون هذا المقال من ثلاثة مباحث: توقفنا في المبحث الأول عند أهمية العراق لأمن تركيا، فالأزمات والصراعات التي تواجهها العراق منذ سنواتٍ على الصعيدين المحلي والدولي تؤثر بلا شك في تركيا جارتها في الشمال. وإنّ تركيا تشكل سياستها حيال العراق بناء على نقطتين، هما: التشديد على أهمية وحدة العراق وسيادتها، وعدم السماح بأن تؤثر العناصر الإرهابية المتشكلة في العراق في تركيا. في هذا المعنى، بنت تركيا معسكرات وقواعد عسكرية في الأماكن التي رأتها ضرورية. وفي المبحث الثاني؛ جرى تأكيد أهمية شمال العراق لأمن حدود تركيا الجنوبية؛ فاستقرار تنظيم PKK في شمال العراق منذ الثمانينيات، وعبوره إلى الأراضي التركية، وقيامه بالعمليات الإرهابية؛ كل ذلك حتّم على تركيا الوجود عسكريًّا في شمال العراق، فأقامت المعسكرات والقواعد العسكرية الإستراتيجية أمام انتشار معسكرات تنظيم PKK في المنطقة. فهذه القواعد العسكرية تقدّم إسهامات كبيرة من حيث تأمين المعلومات الاستخباراتية التي تخدم المناورات العسكرية. وأخيرًا تناولنا التداعيات الإقليمية للقواعد العسكرية التركية، واكتشفنا أن القواعد العسكرية وسيلةٌ لاتخاذ التدابير العسكرية ضد العناصر التي تشكل تهديدًا أمنيًّا. وفي هذا المضمار ينبغي تقييم العمليات التي قامت بها تركيا في سوريا مثل عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون.

 

وكان الاستنتاج من هذا البحث كالآتي: تأتي تركيا في مقدمة أكثر البلدان تأثرًا بأوساط الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة، فأزمة السلطة في العراق وسوريا خلقت بيئة مناسبة لنمو العناصر الإرهابية، واضطرت تركيا إلى الوجود في الساحة في إطار السياسيات الإقليمية، والسبب في ذلك يُعزَى إلى قدوم اللاعبين الدوليين إلى المنطقة، والجهود التي يبذلونها لتوسيع نفوذهم، ولم تتردد تركيا في اتخاذ الخطوات اللازمة من أجل أمنها وسيادتها.

 

 

الهوامش والمراجع:

[1] وزارة الدفاع الوطنية، تويتر، 26 كانون الأول 2019، (تاريخ الزيارة: 8 شباط 2019)،

https://twitter.com/tcsavunma/status/1089164952819154945?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1089164952819154945&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.bbc.com%2Fturkce%2Fhaberler-dunya-47016361.

[2]  “نيجيرفان برزاني: لولا وجود PKK هناك لما قامت تركيا بعملياتها الجوية”، حرِّيَّت، 27 كانون الأول 2019.

[3] Meliha Benli Altunışık, “Turkey’s Iraq Policy: The War and Beyond”, Journal of Contemporary European Studies, Volume: 14, Number: 2, (2006), P. 183-196; Ibrahim Al-Marashi, “A New Chapter in Iraqi-Turkish Relations? Examining Iraqi and Arab Reactions to the Turkish Deployment to Iraq”, Insight Turkey, Volume: 6, Number: 1, (2004), P. 119-128; Meltem Müftüler Bac, “Changing Turkish Foreign Policy Towards Iraq: New Tools of Engagement”, Cambridge Review of International Affairs, Volume: 27, Number: 3, (2014), P. 538-552; Kaan Kadri Renda, “Turkey’s Nenighborhood Policy: An Emerging Complex Interdependence”, Insight Turkey, Volume: 13, Number: 1 (2011), P. 47-65.

وانظر: Hوزدن زينب أوكتاو: ” العلاقات المتطورة بين تركيا وإقليم كردستان العراق وأسبابها: نموذج عن سياسات تركيا الخارجية متعددة الأبعاد”، دراسات الشرق الأوسط Ortadoğu Etütleri، المجلد 1، العدد 2 (2010)، ص 53-74.

[4] Dilip Hiro, The Longest War: the Iran-Iraq Military Conflict, (Routledge, New York: 1991).

[5] بريل دادا أوغلو، “العلاقات التركية العراقية: محور الشرق والغرب والمتغيرات”، Civitas Gentium، المجلد 1، العدد 1 (2011)، ص 25.

[6] حسن بصري يالجين وفخر الدين ألتون، جذور الإرهاب وإستراتيجية مكافحة الإرهاب، (وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والمجتمعية SETA، إسطنبول 2018)، ص 19-53.

[7] Meliha Benli Altunışık, “Turkey’s Security Culture and Policy Towards Iraq”, Perceptions, (Spring 2007).

وانظر: حسن بصري يالجين وفخر الدين ألتون، جذور الإرهاب وإستراتيجية مكافحة الإرهاب، (وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والمجتمعية SETA، إسطنبول 2018)، ص 38-39.

[8] Michael M. Gunter, “The KDP-PUK Conflict in Northern Iraq”, Middle East Journal, Volume: 50, Number: 2, (1996), P. 224-241.

[9] Fanar Haddad, “Sectarian Relations in arab Iraq: Contextualising the Civil War of 2006-2007”, British Journal of Middle Eastern Studies, Volume: 40 Number: 2, (2013), P. 115-138; Fanar Haddad, “Shia-Centric State Building and Sunni Rejection in Post 2003 Iraq”, Carnegie Endowment for International Peace,  https://carnegieendowment.org/2016/01/07/shia-centric-state-building-and-sunni-rejection-in-post-2003-iraq-pub-62408, (Date of access: 8th February).

وانظر: أمين صالحي، العراق: انهيار الدولة وعملية الصراع، (Kaknüs: 2017).

[10] Harith Hasan, “From From Radical to Rentier Islamism: The Case of Iraq’s Dawa Party”, Carnegie Middle East Center, (April 2019), https://carnegie-mec.org/2019/04/16/from-radical-to-rentier-islamism-case-of-iraq-s-dawa-party-pub-78887.

[11]  “إنشاء معسكر بعشيقة بناء على طلب العبادي”، TRT Haber، (تاريخ الزيارة: 8 شباط 2019):

https://www.trthaber.com/haber/gundem/basika-kampi-ibadinin-talebi-nedeniyle-kuruldu-221994.html.

[12]  الانتشار الأكبر للقواعد العسكرية التركية خارج البلاد هو في العراق.

[13]  كاموران رجبر، “تركيا وعملياتها خارج حدودها في شمال العراق وحقها في الملاحقة الساخنة”، السياسة والقانون الدولي / Uluslararası Hukuk ve Politika، المجلد 3، العدد 9 (2007)، ص 16-27.

[14]  “العملية الأولى في العراق أجريت عام 1983″، حرِّيَّت، 21 تشرين الأول 2011.

[15] Ümit Tetik ve Kutluhan Görücü, ‘’The PYD/PKK’s Drug Trafficking & Turkey’s War on Narco-Terrorism’’, SETA Analysis, Number: 52, (June 2019)

[16]  حسن بصري يالجين وبرهان الدين دوران، إستراتيجيات اللاعبين العالميين والإقليميين في سوريا، (وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والمجتمعية SETA، إسطنبول 2016)، ص 7-25.

[17] Michael M. Gunter, “The Kurdish Question in Perspective, World Affairs”, Volume: 166, Number: 4, (2004), P. 197-205.

[18] Kadir Ustun ve Lesley Dudden, “Turkey-KRG Relationship: Mutual Interests, Geopolitical Challenges”, SETA Analiz, Numbe: 31, (September 2017).

[19] حسن بصري يالجين وفخر الدين ألتون، جذور الإرهاب وإستراتيجية مكافحة الإرهاب، (وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والمجتمعية SETA، إسطنبول 2018)، ص19-53.

[20] تصريح الاتحاد الوطني الكردستاني (KYB) بشأن الانتخابات الرئاسية: نحن لسنا المسؤولين، Rudaw، (تاريخ الزيارة: 1 حزيران 2019):

http://www.rudaw.net/turkish/kurdistan/280520194.

[21] “أول بيان من الجبهة المتَّهَمة بالخيانة”، حرِّيَّت، 16 تشرين الأول 2017.

[22] “أكراد العراق لا يتفقون للمرة الأولى على انتخابات رئاسة الجمهورية”، وكالة الأناضول، (تاريخ الزيارة: 8 شباط 2019):

https://www.aa.com.tr/tr/dunya/irakli-kurtler-cumhurbaskanliginda-bu-kez-anlasamadi/1263110.

[23] “برهم صالح رئيسًا جديدًا للعراق”، بي بي سي التركية، https://www.bbc.com/turkce/haberler-dunya-45714905، (تاريخ الزيارة: 8 شباط 2019).

[24] Michael M.Gunter, “Kurdish Disunity in Historical Perspective”, Seton Hall Journal of Diplomacy and International Relations, (Spring 2018), http://blogs.shu.edu/diplomacy/files/2018/06/Kurdish-Disunity-In-Historical-Perspective.pdf.

[25] “ليصرحوا أيضًا بأن (حركة حرية المجتمع الكردستاني/ Tevgera Azadi) لها صلة بالإرهاب”، وكالة الأناضول، (تاريخ الزيارة: 16 شباط 2019):

https://www.aa.com.tr/tr/dunya/tevgera-azadinin-terorle-iltisakli-oldugunu-da-aciklasinlar/1336443.

[26] قرار ترامب بشأن الجنود الأمريكان في العراق، Akşam، 3 شباط 2019.

[27] “العراق تبدي موقفًا شديدًا ضد الوجود العسكري لأمريكا”، وكالة الأناضول، (تاريخ الزيارة: 16 أيار 2019):

https://www.aa.com.tr/tr/dunya/irakin-abd-askeri-varligina-karsi-tutumu-sertlesiyor/1392178

[28] فاتح موسلو، حكومة العراق المركزية بين فكي التنافس الإقليمي، تحليلات ستا، العدد 280 (نيسان 2019).

[29] Hasan Basri Yalçın, The Concept of ‘’Middle Power’’ and the Recent Turkish Foreign Policy Activism, Afro Euroasian Studies, Volume: 1, Number: 1, (Spring 2012), P.202.

[30] Ayşe İ. A. Özer, The Rise of the Turkish Defense Industry, (SETA, İstanbul: 2019).

[31] جان عجون وبلال سليمان، إدلب: صفحة جديدة في الأزمة السورية، تحليلات ستا SETA Analiz، العدد 255، (آب 2018).

[32] بريل داد أوغلو، “العلاقات التركية العراقية: محور الشرق والغرب والمتغيرات”، Civitas Gentium، المجلد 1، العدد 1، (2011)، ص 11-32؛ حسن كوني، “تركيا والشرق الأوسط إبان حرب الخليج”، Avrasya Dosyası، المجلد 3، العدد 1، العدد الخاص بشمال العراق، (ربيع 1996).

[33] Meliha Benli, “Altunışık, Turkey’s Iraq Policy: The War and Beyond”, Journal of Contemporary European Studies, Volume: 14, Number: 2, (August 2006), P.183-186.

تسميات