thumbs_b_c_675b567412ead265bfba370e688a857f

أكثر من مجرد كشف غاز طبيعي…

تمثل هذه البشرى بداية جديدة بالنسبة لبلادنا، باعتبارها " أكبر كشف للغاز الطبيعي في تاريخ تركيا" إلى جانب أنها "مجرد جزء فقط من مخزون طاقة غنى"...

زف الرئيس أردوغان الجمعة بشرى اكتشاف احتياطي غاز طبيعي في البحر الأسود يقدر ب 320 مليار متر مكعب.  ويعد هذا الكشف خطوة عملاقة في الثورة الوطنية-المحلية التي أُطلقت من أجل إنهاء التبعية للخارج في مجال الطاقة. هذا وتبلغ القيمة الاقتصادية لهذا الاحتياطي -الذي سيلبي احتياج تركيا من الغاز الطبيعي لمدة 7-8 سنوات- 90 مليار دولار تقريبًا بأسعار اليوم.

وزير الخزانة والمالية الحالي براءت ألبيرق الذي أطلق حملة الطاقة الوطنية عام 2015 برعاية أردوغان، أكد في افتتاح الأمس على أن البلاد ماضية إلى عهد ستنهي فيه مسألة العجز الجاري. ووصف ألبيرق هذا العهد الجديد بأنه مرحلة جديدة في خطاب “لا شرق ولا غرب، تركيا ستكون على محور جديد”.

سترتفع مكانة تركيا الدولية أكثر إذا انتهى الاعتماد على الخارج في مجال الطاقة، إذ أشار أردوغان إلى التأثير القوي للطاقة قائلاً: “إن تطبيق الرؤى التي تضعها الدول يكون ممكنًا من خلال الطاقة.”

تشكل التحركات المتعلقة بالموارد الهيدروكربونية جزءًا هامًا من نشاط تركيا في الأعوام الأخيرة، فالصراع حول الطاقة يؤثر على مجالات واسعة، بدءًا من الاقتصاد وحتى المصالح الأمنية والجيوسياسية. ومن ثم يمكننا القول إن أردوغان قد اقترب أكثر من رؤيته ل “تركيا الكبيرة القوية” اعتبارًا من الأمس.

إن أردوغان باعتباره ” لاعب شطرنج بارع” يدري جيدًا أنّ أي دولة تعتمد على الخارج في مجال الطاقة، تكون ضعيفة في إدارة التوترات الدولية، والصمود أمام الاضطرابات الاقتصادية. ويرتبط وصفه الكشف -الذي سيرفع من قدرات تركيا- بقوله “إن الله قد فتح علينا طاقة خير كبيرة بمكان لم يكن بالحسبان.” بذلك الأمر.

ولابد أن هناك تأثير لاكتشاف الغاز الطبيعي في البحر الأسود على التنافس في شرق المتوسط. فتركيا التي تظهر تصميمًا في قضية تقاسم المجال البحري شرقي المتوسط، تقدمت الآن خطوة أخرى باتجاه إثبات حججها بالتوازي مع الاكتشاف الأخير.

تريد أنقرة التي تتواجد في البحار بسفن تنقيبها وأسطولها أن تكرر نجاحها في إثبات حججها للشعب التركي، عبر اكتشاف احتياطات جديدة، فقد أضحى شعور “الحفاظ على المقدرات البحرية” مصلحة مشتركة للأمة التركية.

شكل الاكتشاف الجديد تآزرًا يدمج حقوق تركيا السيادية بمصالحها في مجال الطاقة، ومن الحتمي أن يُقابل الهجوم الموجه نحو هذا التآزر بمقاومة وطنية.

يجب على قادة الاتحاد الأوروبي -خاصة ماكرون- أن يدركوا أنهم لن يقدروا على فرض المطالب اليونانية الجامحة على تركيا، فقد ذاق الشعب التركي طعم التوصل للموارد الهيدروكربونية، ولن يسمح لأحد بأن يمنعه من ذلك.

إن هذه البشرى تمثل أكثر من مجرد كشف غاز طبيعي بالنسبة لتركيا…

لابد وأننا جميعًا قد احتفلنا ببشرى أردوغان حول اكتشاف الغاز الطبيعي، كشعب واحد، باعتبارها إنجازًا مشتركًا، إلا أن تصريح الأمين العام لحزب الشعب الجمهوري سلين سايك بوكه بأن مورد الغاز الطبيعي هذا “لن يجلب التنمية لتركيا” كان تصريحًا بائسًا، فمسألة أن يؤدي العثور على الموارد الهيدروكربونية إلى طفرة اقتصادية تعد حقيقةً دامغةً.

إنّ تركيا ليست مثل بلدان الخليج التي تودع الدولارات التي تجنيها من النفط في بنوك الغرب، أو تتجه للإنفاق على الترف، بل على العكس تمامًا؛ نجحت تركيا في أن تكون أقوى وأنشط اقتصاد في المنطقة من حولها، متحملة مع ذلك عبء استيراد الطاقة بما يعادل 40 مليار سنويًا تقريبًا.

إن العثور على حقول الغاز الطبيعي أو النفط في هذه المرحلة من تحركات تنمية الجمهورية يزيد من سرعتنا، ولا يدفعنا إلى الخمول.

إن نهج بوكه الذي ينظر إلى الشعب وممثليه ك “ريعيين” لن يتمكن من تعكير صفو فرحتنا.

كنت قد قلت في مقالي بالأمس إن المعارضة ستستهين بالبشرى التي “سيكون لها مردود اقتصادي هائل”، ويا ليتني أخطأت!

[نُشر بالتركية في جريدة صباح في 22 أغسطس 2020]

 

تسميات