thumbs_b2_4c8f47ca913aa2011a25bbd2629caf94

أردوغان والاتهامات بالأصولية

ليست تهمة الأصولية التي يُراد إلصاقها بأردوغان إذاً إلا قناع، خلف هذا القناع توجد نية للإطاحة بقائد يكافح من أجل الحفاظ على المصالح الوطنية لبلاده، وإن لم يكن فتقييده. والسلام.

تمثل تركيا تحت قيادة الرئيس أردوغان بالنسبة لعواصم الغرب معضلة لم يتمكنوا من فهم كيفية إدارتها. حيث أصبحت بمثابة أداة انتخابية بالنسبة للساسة الأوروبيين، منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحتى الآن. ويمكننا أن نكون على ثقة بأنهم سيصرون على استغلال “عامل أردوغان” في الحملات الانتخابية في ألمانيا عام 2021، وفي فرنسا عام 2022.

الأمر نفسه يجري في الولايات المتحدة، إذ أن قضية “ماذا الذي يجب على تركيا أردوغان أن تقوم به؟” مُدرج على جدول الأعمال، في مرحلة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وقد ناقشنا في الأسابيع الماضية آراء المرشح الرئاسي الديموقراطي جو بايدن حول “الإطاحة بأردوغان”. ونذكر كذلك مدح الرئيس ترامب لأردوغان من ناحية، ووصفه إياه قائلًا: “أنا فقط من يستطيع توجيهه” من ناحية أخرى، كما نذكر كيف أهان منافسه بايدن بوصفه بغير الذكي.

اعتدنا على أن يأخذ تعبير “مسألة تركيا” مكانًا في الإعلام الغربي باستمرار. إذ ينتشر وصف عزم أنقرة على الحفاظ على مصالحها الوطنية بالعدوانية والتوسعية وحلم الإمبراطورية، بشكل واسع.

ولو أنهم لم يتمكنوا من حسم أمرهم: فهل تتبنى تركيا أردوغان الأيدولوجيا العثمانية الجديدة أم الأيدولوجيا الإسلامية العابرة للقوميات؟ أم تسعى وراء سلام تركي (Pax Turca)؟

إلا أن الإصدار الجديد من تلك الحملة الأيدولوجية الشرسة، المُسماة كذبًا بالتحليل السياسي يتقدم شيئاً فشيئاً. ويستند هذا الإصدار إلى الطرح القائل بإن “تركيا أخطر من إيران”، صاحب هذا الطرح هو رئيس وكالة الاستخبارات الإسرائيلية يوسي كوهين.

يتبنى كوهين الرأي القائل بأن التهديد الأساسي يكمن في تركيا “القوة الصاعدة”، أكثر من إيران التي وصفها ب “القوة المتجهة إلى الأفول”. ويمكنكم سماع ذلك الرأي من دوائر عدة معادية لتركيا. فنفس الطرح يتبناه الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى بصيغة “تركيا أكثر خطورة بالنسبة للعرب من إيران”. أما عن نسخة الطرح الموجودة في عواصم الغرب فتأخذ شكل “تتسبب تركيا في موت دماغي للناتو، ولا تفهم إلا منطق القوة فقط”

أما الإصدار الجديد من الطرح الذي نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” في الثالث من سبتمبر/ أيلول الجاري بتوقيع دافيد إغناتيوس؛ فقد وصل إلى نقطة ضارة بالعقول. إذ يتساءل إغناتيوس “لماذا يدلل ترامب “المتصلب إزاء إيران” دولة إسلامية توسعية أخرى تسعى وراء الهيمنة الإقليمية وهي تركيا؟”. ويتهم إغناتيوس أردوغان بأنه يخوض كفاحًا من أجل “أصوليته الإسلامية”.

يدعي الكاتب كذلك أن لدى تركيا وإيران توق إلى الماضي الإمبراطوري، وأن كلاهما يستعرضان قوتهما العسكرية، ويقومان بتصدير عدم الاستقرار عبر عملاءهما من القوى المحلية، وأنهما ينتقدان الولايات المتحدة الامريكية.

إلى هنا والأسطورة التي كتبها إغناتيوس ممتلئة بالاتهامات المعتادة. لكن ادعاءه أن تركيا تشجع النسخة الأصولية من الإسلام، شأنها في ذلك شأن إيران كان هو الجزء الأكثر إضرارًا بالعقول. هذا الادعاء الذي يضرب عرض الحائط بمفاهيم وتعريفات الأدبيات الإسلامية، ليس على إطلاع لا بالبنية الاجتماعية للمجموعات الإسلامية، ولا الحياة العلمانية القوية في تركيا.

إذاً فالإمارات التي تقوم بتسليح السلفيين المداخلة أضحت في موضع “المعتدل الوسطي”. أما تركيا فهي أصولية، إذ التقى مسئولوها بمسئولي حماس، أليس كذلك؟

من أنتجوا داعش والقاعدة معتدلون، أما من قاتلوا داعش فهم أصوليون، أليس كذلك؟

دول الخليج الرجعية التي أطاحت بمحمد مرسي الذي أتى به الشعب المصري إلى الرئاسة عبر انتخابات ديموقراطية هي دول معتدلة، أليس كذلك؟

لنكرر مرة أخرى:

تقف إسرائيل وعملاءها في الإمارات وراء الطرح القائل بإن تركيا أخطر من إيران. كما تقف كذلك دول الخليج التي خنقت الثورات العربية خوفًا من انتقال عدوى الانتخابات الديموقراطية. وبالمثل تستخدم بعض الدوائر الغربية هذا الادعاء من أجل مصالحها.

تمثل تركيا تجربة قامت بتغيير المنطقة من حولها في الأعوام الأخيرة. فهي إذ تزيد قوتها ووجودها العسكري بما حققته من انطلاقات في مجالات الدبلوماسية والدفاع والطاقة، تزعج بامتلاكها قيادة قادرة على الانضمام لتنافس القوى الكبرى إسرائيل ودول الخليج، ولكم أن تضيفوا فرنسا واليونان إلى تلك الدول.

هذا في حين أن إيران عديمة التأثير، وتعتبر بمثابة “ذريعة مفيدة”. ذلك أن إسرائيل تواصل منذ أعوام توسعها، مستغلة “التهديد الإيراني”، وبالمثل تستفيد التوسعية الإيرانية من التهديد الإسرائيلي. وقد أتت عملية الاستغلال المتبادل تلك في غير صالح العرب، فقد سقط جزء من الحكومات العربية، والجزء الباقي يتلهف إلى التقارب مع تل أبيب.

ليست تهمة الأصولية التي يُراد إلصاقها بأردوغان إذاً إلا قناع، خلف هذا القناع توجد نية للإطاحة بقائد يكافح من أجل الحفاظ على المصالح الوطنية لبلاده، وإن لم يكن فتقييده. والسلام.

 

 

تسميات