thumbs_b_c_5c0c434942b5d8db4e72fc1efede19af

نظرة العالم وتركيا للانتخابات الأمريكية

كلما اقتربت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بدأ الحديث حول النتائج المحتملة لها في التزايد تدريجياً في بقية بلدان العالم.

كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بدأ الحديث حول النتائج المحتملة لها في التزايد تدريجياً في بقية بلدان العالم. إن توافر كل هذا الزخم لمناقشة الانتخابات الأمريكية هو أمر طبيعي، لا سيما ونحن نتحدث عن دولة لا زالت هي الأقوى اقتصادياً وعسكرياً في العالم. كما أن قوة الولايات المتحدة تلك سيحدد الرئيس الذي سيتم انتخابه في أي نوع من التدخلات سيستخدمها، وستتأثر الدول والمناطق التي ستستهدفها تلك التدخلات بسياسات الرئيس الجديد بنسبة كبيرة.

بالنظر إلى الآمال المعلقة على نتائج الانتخابات؛ نجد أن عدد من يريدون خسارة ترامب الانتخابات كبير. فأغلب دول أوروبا التي تعد الحليف التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية تريد أن يخسر ترامب الانتخابات، لينتهي هذا الكابوس الذي استمر طيلة أربع أعوام. ونشهد انعكاس هذه الترقب بصورة واضحة على الاعلام الألماني والإنكليزي والفرنسي. حيث يعربون في كل فرصة تتاح لهم عن انزعاجهم بشدة من نهج ترامب، الذي يقدم المصالح الأمريكية على ما عداها، تحت شعار “أمريكا أولاً”، ويمارس ضغوطاً على دول أوروبا، ويتجنب قيادة المنظمات الدولية.

ويمكننا القول إن الصين أيضاً تريد أن يفوز بايدن، على نحو شبيه برغبة دول أوروبا في ذلك. فقد أدخل إجبار ترامب الصين على خوض حرب اقتصادية، خلال مرحلة لا زالت غير مستعدة فيها لذلك، حكومة بكين في أزمة. فحكومة بكين لا ترغب حالياً في الدخول في صراع كهذا مع واشنطن، خصوصاً وأن التجربة التي عاشها السوفييت في حقبة الحرب الباردة أظهرت أن الصراع الشامل مع الولايات المتحدة قبل الوصول إلى مستوى متساوي معها من الناحية الاقتصادية والعسكرية، قد تكون عواقبه وخيمة. وحتى إن أملت الصين أن تتراجع الضغوط الاقتصادية الأمريكية في حالة فوز بايدن، فلن تكون إعادة السهم الذي خرج من قوسه بالأمر اليسير على أي حال.

بالمثل، ليس من الصعب التكهن بأن إيران التي فسخ ترامب الاتفاق النووي معها، وزاد من الضغوط عليها بناءً على رغبة اللوبي الإسرائيلي، وجزء من دول الخليج ستشعر بالرضا إزاء فوز بايدن. ربما لن تنتهي الضغوط الامريكية التي تستهدف إيران تماماً في عهد بايدن، إلا أن عودة الولايات المتحدة الامريكية إلى الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في عهد أوباما ستريح طهران.

الوضع نفسه ساري بالنسبة لتنظيمات “اتحاد مجتمعات كردستان” و”بي كا كا” و”واي بي دي” التي ركلت طاولة عملية الانفتاح السياسي في تركيا، ثقةً في أوباما، ليضيع حلمها بإقامة دولة إرهابية في سوريا بعد ذلك. حيث انضمت تلك التنظيمات لجبهة الراغبين في فوز بايدن. لعب ترامب دوراً هاماً في ضياع هذا الحلم، بنهجه خلال عملية نبع السلام العسكرية، وفي حالة خسارته للانتخابات ستتزايد آمال تنظيمي بي كا كا وواي بي دي اللذان يعتقدان أنهما سيكسبان دعم البيت الأبيض بعد ضمان دعم الكونغرس لإقامة دولة إرهابية في المنطقة.

ولابد أن موقف المعارضة الداخلية التي يفكر بايدن في “دعمها لإسقاط أردوغان عبر الانتخابات” واضح. لا أدري إن كانوا يدعون الله أن يفوز بايدن من أجل ضمان الدعم الذي وعدهم إياه، ولكنهم سيكونون سعداء لجلوس شخص كان قد كشف بصراحة عن عدائه لأردوغان على كرسي الرئاسة الأمريكية. لا غرابة، ففي النهاية كل سياساتهم مؤسسة على إسقاط أردوغان لا الوصول إلى السلطة.

حسناً إذاً، أي من المرشحين سيكون فوزه بالانتخابات الأمريكية أفضل بالنسبة لتركيا؟

نقولها بصراحة؛ لو كانت هذه الانتخابات عقدت فيما مضى من الزمن، لكانت أهم بالنسبة لأنقرة. ولكننا نعيش في عهد أثبتت تركيا فيه مناعتها ضد أي تدخل خارجي.

لقد تعرضت تركيا للعديد من الأعمال العدوانية الأمريكية المنبع سواء في عهد أوباما أو في عهد ترامب، ولكنها صمدت أمام كل ذلك، بفضل الدعم الشعبي للحكومة. فقد ساهم كل اعتداء في جعل تركيا أكثر استقلالية وعزز من قوتها.

قد لا تكون نظرة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب للحكومة في تركيا سلبية مثل ثنائي أوباما-بايدن، إلا أنه من المهم ألا ننسى أن الكونغرس الذي يعتبر المركز الثاني للقوة في السياسة الأمريكية قد اتخذ قراراته الأكثر عدوانية بشأن تركيا في عهد ترامب.

لهذا السبب، أيا كان الفائز بالانتخابات الأمريكية؛ ستتواصل الضغوط الأمريكية على تركيا، ما دامت تتحرك باستقلالية في سياستها الخارجية، وتزعج اللوبي الإسرائيلي. إن ما يحمي تركيا أمام تلك الضغوط ليس الرئيس الأمريكي، وإنما قوتها وعزم شعبها.

أي أنه إذا كان لدينا فضول حول مستقبل العلاقات التركية الأمريكية، فعلينا ألا نهتم بهوية من سيفوز بالانتخابات الأمريكية، وإنما بمواصلة الحكومة في تركيا سياستها المستقلة من عدمه.

تسميات