مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية

إن طهران التي سعت خلف النفوذ الإقليمي، عبر محور المقاومة الذي أقامته منذ ثورة عام 1979، قلقة اليوم من النجاحات التي حققتها أنقرة خلال أربعة أعوام فقط. وما نصر قرة باغ الذي تم تحقيقه في 44 يوماً فقط عنا ببعيد، حيث انقلب التوازن في القوقاز في غير صالح روسيا و-على وجه الخصوص- إيران.

حولت النخبة الإيرانية بضعة أبيات من الشعر كان الرئيس التركي أردوغان قد قرأها في العاصمة الأذربيجانية باكو الخميس الماضي إلى توتر سياسي. وفيما استخدم الساسة عبارات عدوانية تجاه تركيا، حفل الإعلام الإيراني بادعاءات حول أن أردوغان “يسعى خلف قيادة العالم الإسلامي، والأيدولوجيا العثمانية والقومية التركية”. كما انتشر ادعاء بأن أنقرة تقوم بالتحريض على “الانفصالية” التي تستهدف وحدة الأراضي الإيرانية.

فكيف يجب أن يُفهم رد الفعل الإيراني المتطرف هذا في ظل وجود سياسات تركية تعمل على الحفاظ على وحدة بلدان المنطقة، على عكس الرقص الإيراني الذي لا ينتهي أبداً مع تنظيم بي كا كا الانفصالي الإرهابي والذي يعرفه الجميع؟

كذا، لماذا وجه الساسة الإيرانيون -كما أشار فخر الدين ألتون رئيس دائرة الإعلام في رئاسة الجمهورية التركية- عبارات لاذعة لتركيا، في حين أن أنقرة دعمت الشعب الإيراني في أيام طهران الصعبة صامدةً في وجه الضغوط الدولية؟

يمكننا أن نبحث عن أجوبة هذه التساؤلات في مكانين:

  1. في الانزعاج الذي تشعر به طهران إزاء تزايد نفوذ أنقرة الإقليمي والقدرات التي طورتها في الأعوام الأخيرة.
  2. وفي القلق الإيراني من الفرص والتغيرات  المحتملة في خريطة التحالفات التي ستجلبها سياسة إدارة بايدن تجاه الشرق الأوسط.

إن طهران التي سعت خلف النفوذ الإقليمي، عبر محور المقاومة الذي أقامته منذ ثورة عام 1979، قلقة اليوم من النجاحات التي حققتها أنقرة خلال أربعة أعوام فقط.

التوسع الإيراني في تراجع

منذ عام 2016 إلى اليوم تقوم تركيا بتحركات عسكرية في مناطق واسعة تمتد من سوريا مروراً بالعراق وليبيا وحتى شرق المتوسط وقرة باغ. ونعلم أن بعض هذه التحركات جلبت في إثرها العمل المشترك مع روسيا وموازنتها في الوقت ذاته. ولكن المسألة لم تقتصر على ذلك؛ فالقدرات العسكرية متعددة الأبعاد التي طورتها أنقرة في الأعوام الأخيرة (بما في ذلك الطائرات المسيرة المقاتلة) تتابعه قوى إقليمية مثل إيران والسعودية وإسرائيل عن كثب. إن طهران التي سعت خلف النفوذ الإقليمي، عبر محور المقاومة الذي أقامته منذ ثورة عام 1979، قلقة اليوم من النجاحات التي حققتها أنقرة خلال أربعة أعوام فقط. وما نصر قرة باغ الذي تم تحقيقه في 44 يوماً فقط عنا ببعيد، حيث انقلب التوازن في القوقاز في غير صالح روسيا و-على وجه الخصوص- إيران.

 لقد كان تسجيل تركيا نجاحاتٍ مبهرة خلال بضعة سنوات في القضايا التي اعتقدت إيران أنها حققت فيها نجاحاً في العقد الأول من هذا القرن سبباً للحقد والغيرة. فضلاً عن ذلك؛ تقدم أنقرة في كل تحرك جديد لها أداء أكثر فعالية من الذي سبقه. كذا، فإن انضمام إسرائيل إلى التعاون التركي-الأذربيجاني سيكون بمثابة سيناريو كارثي بالنسبة لطهران. فبسبب سياسة الحد الأقصى من الضغط على إيران التي تبناها ترامب، لم يتضرر الاقتصاد الإيراني بصورة بالغة فحسب، بل واهترأت كذلك سياسة إيران الإقليمية الطموحة. فقد داومت إسرائيل بصورة مستمرة على ضرب الميليشيات الإيرانية الموجودة في سوريا، كما لو كان مقتل الجنرال قاسم سليماني من قبل الولايات المتحدة الامريكية ليس كافياً.

 لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد قُتل فخري زادة الذي كان يترأس البرنامج النووي الإيراني، بعد عامين فقط من قيام نتنياهو باستهدافه. الآن تنتظر طهران العودة إلى الاتفاق النووي مرة أخرى، تزامناً مع قدوم إدارة بايدن. وتحلم بفعاليات توسعية جديدة تمتد من اليمن إلى سوريا بفضل مجال الفرص الذي سيفتح الاتفاق بابه من جديد، كما كان الحال تماماً في عهد أوباما. من الواضح أن هذه الآمال تحمل في طياتها مشكلات كبيرة إلى حد بعيد.

على النخبة الإيرانية أن تنحي الرومانسية القومية وآمالها المبالغ فيها جانباً لتركز على الوضع الجيوسياسي الجديد.

مصاعب إيران التي تنتظر الانفتاح

إذا كانت إدارة بايدن ستسعى خلف اتفاق جديد مع إيران، فمن المؤكد أن تضمن هذا الاتفاق مسألة الصواريخ الباليستية والميليشيات الشيعية سيكون مطروحاً على جدول أعمال المفاوضات. ومما لا شك فيه أن إسرائيل ودول الخليج ستقومان بالضغط من أجل ذلك. الأهم من ذلك أنه حتى وإن تخلصت إيران من ضغط ترامب، فمعادلة القوة في الشرق الأوسط قد تغيرت، وتوازنات القوة في عهد بايدن مختلفة كثيراً عن عهد أوباما. دعونا نتذكر، في أعقاب الثورات العربية كانت إيران تمتلك أوراق مهمة، وكانت قد عززت محور المقاومة الذي أقامته عقب الثورة الإسلامية عام 1979. وضمنت انسحاب الولايات المتحدة الامريكية بدرجة كبيرة من العراق، كما قامت بإخماد الثورة في سوريا. وعززت تواجدها في سوريا والعراق عبر الميليشيات الشيعية التي حشدتها، متذرعة بالحرب على داعش. ولكن الوضع الجيوسياسي الإقليمي شهد تغيراً هاماً في عهد ترامب، حيث عززت تركيا وإسرائيل من قدراتهما بينما ضعفت إيران. وشرعت الدول العربية في تطوير أساسات جديدة للعلاقات مع أنقرة وتل أبيب. وأصبحنا أمام أنظمة عربية مضادة لإيران ومؤيدة لإسرائيل.

إن اللعبة الكبرى بين القوى الإقليمية في المرحلة المقبلة ستكون بين تركيا وإيران وإسرائيل. وستكون أنقرة هي اللاعب الأكثر تميزاً.

على النخبة الإيرانية أن تنحي الرومانسية القومية وآمالها المبالغ فيها جانباً لتركز على الوضع الجيوسياسي الجديد.

تسميات