كيف يمكن أن يؤثر اغتيال فخري زادة على سياسة الشرق الأوسط؟

سيحدد مدى تصرف طهران بصبر أمام الاستفزازات القادمة من إسرائيل وربما من الولايات المتحدة الامريكية حتى العشرين من يناير ،2020 إذا كان بايدن الذي يهدف إلى إعادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى المؤسسات والاتفاقيات الدولية مجدداً سيتراجع عن العودة إلى الاتفاق النووي أم لا.

كان مقتل الفيزيائي النووي الإيراني محسن فخري زادة الذي يترأس مؤسسة البحث العلمي والابتكار التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، نتيجة عملية اغتيال نُفذت على مقربة من مدينة طهران، هو أهم تطورات الأسبوع الماضي، بالنسبة للشرق الأوسط. ويُعتبر ذلك تطور هام جداً، بقدر أهمية مقتل قاسم سليماني بداية هذا العام بغارة جوية في العراق.

هذا ومن الواضح أن لإسرائيل صلة قريبة بكلا الحادثين. ففيما تشير التصريحات الصادرة عن إسرائيل والأخبار الواردة من الإعلام الدولي إلى أن قتل فخري زادة من صنع مخابرات هذا البلد بصورة مباشرة، يُعرف كذلك أن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية لعب دوراً حاسماً في دفع ترامب لإصدار أمر قتل سليماني.

بالنظر إلى سياسة الشرق الأوسط من نافذة حادث فخري زادة يكتسب البحث عن إجابات للأسئلة التالية أهمية كبيرة:

هل أضحت الصيغة الجديدة لسياسة الشرق الأوسط تتشكل من خلال الاغتيالات والعقوبات والإرهاب؟

كيف سيكون تأثير اغتيال فخري زادة على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية وسياسة بايدن الخارجية؟

كيف ستكون نتائج هذا الاغتيال بالنسبة للعلاقات الإيرانية-الأمريكية؟

أولاً دعونا نؤكد على أن اغتيال فخري زادة ليس أول عمل غير مشروع من هذا النوع تقوم به إسرائيل؛ فقد تخلصت إسرائيل فيما سبق من علماء إيرانيين لهم دراسات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، عبر اغتيالات شبيهة باغتيال فخري زادة.

ولكن قتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني عبر عمل مناف للقانون الدولي خلال هذا العام، وقتل فخري زادة الآن، ووقوع حرائق وتفجيرات غامضة في إيران، وبالتحديد في منشأة نطنز النووية خلال هذا العام، إضافة إلى توالي العقوبات الأمريكية على البلاد يوماً بعد يوم، وتزايد الهجمات الإرهابية في البلاد، كل هذا يُظهر أن حرباً شرسة تُدار ضد إيران.

الغريب في الأمر هو أن حكومات اللاعبين الذين يديرون هذه الحرب ضد إيران تقدموا خطوة على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة” التي لطالما برزت في استراتيجية طهران للمواجهة.

أما الأغرب من ذلك فهو أن طهران التي نجحت في تنفيذ استراتيجية الحرب غير المتكافئة التي أدارتها ضد لاعبين مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تستصعب جداً الرد على واشنطن وتل أبيب في إطار هذه المعادلة الجديدة.

هناك قناعة سائدة حول أن إيران عجزت عن الرد بصورة كافية على الحرب التي يديرها فريقا نتنياهو وترامب ضدها بوسائل مختلفة. الأمر الذي يزيد من جرأة إسرائيل بالتحديد. أي أن إيران قد تواجه هجمات جديدة. وفي هذا دعونا نتذكر أن حلم نتنياهو -على وجه الخصوص- هو أن يتم ضرب المنشئات النووية الإيرانية من قبل الجيش الأمريكي قبل رحيل ترامب.

حسناً، لماذا تستصعب إيران الرد؟

تأمل إيران التي تضرر اقتصادها بصورة بالغة من جراء العقوبات الأمريكية أن تتم العودة مجدداً إلى الاتفاق النووي، ويتم رفع العقوبات الأمريكية، بالتزامن مع تسلم بايدن الرئاسة. لذا لا ترغب في اتخاذ خطوات من شأنها أن تشكل حجر عثرة أمام تفاهم بايدن معها مجدداً.

وإلا فإن لدي إيران العديد من الوسائل للقيام باستعراض القوة ضد إسرائيل، ولكن استخدام القوة غير المتكافئة سيجبر واشنطن على اتخاذ موقف مؤيد لإسرائيل، وهو ما قد يسفر عن نتائج قد تمتد حتى تحقق أحلام نتنياهو. ذلك أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على مستوى عالي من القوة، يمكنه من دفع ليس فقط ترامب بل وحتى بايدن لاتخاذ خطوات من هذا النوع.

من ناحية أخرى؛ نلاحظ أن إيران لا تمتلك أدوات للقيام برد مماثل على اغتيال إسرائيل لفخري زادة؛ أي أن طهران يمكنها -على سبيل المثال- أن تقوم بضرب إسرائيل عن طريق حزب الله، أو بصورة مباشرة عبر صواريخها، إلا أنها لا تمتلك القدرة على القيام بأعمال شبيهة باغتيال فخري زادة عبر جواسيسها داخل إسرائيل.

بات من الواضح أن إسرائيل التي نجحت في جذب إدارة ترامب إلى صفها، وتضييق الخناق على إيران، في استراتيجية الحرب هذه التي تُدار من خلال أدوات غير مشروعة بدرجة كبيرة، تخطط أيضاً لارتهان سياسة بايدن تجاه الشرق الأوسط، من خلال الإقدام على خطوات راديكالية. وفي هذا الإطار، يبدو أن هدف نتنياهو الأساسي هو استفزاز طهران، وإجبار بايدن على استخدام القوة ضد إيران، أو إبقاؤه بعيداً عن اتفاق جديد معها على الأقل.

بسبب تحرك نتنياهو الأخير، سيحدد مدى تصرف طهران بصبر أمام الاستفزازات القادمة من إسرائيل، وربما من الولايات المتحدة الامريكية حتى العشرين من يناير 2020، إذا كان بايدن الذي يهدف إلى إعادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى المؤسسات والاتفاقيات الدولية مجدداً سيتراجع عن العودة إلى الاتفاق النووي أم لا.

أما الأمر السيء بالنسبة لإيران؛ فهو أن الطرف المواجه لها نهِم جداً لاختبار صبرها، وتساعده ملائمة الظروف على ذلك.

 

 

تسميات