مدينة إدلب

خمسة أسئلة : ما أهمية إدلب؟

استشهد ثلاثة وثلاثون جنديا تركيا على إثر غارة جوية لقوات النظام مما أدي إلى عودة مسألة العلاقات التركية الروسية وأهمية مدينة إدلب إلى الواجهة من جديد بعد هذا الهجوم..فلماذا تعد إدلب مهمة؟ ولماذا تتواجد تركيا في إدلب؟ ومن يقف في مواجهة تركيا في إدلب؟ ومن يقف إلى جانب تركيا في إدلب؟ وما الذي ستقوم به تركيا في إدلب في الفترة المقبلة؟

. ما أهمية إدلب؟ 

 

يبلغ عدد سكان مدينة إدلب أربعة مليون نسمة تقريباً، وتبرز أهمية المدينة كمركز يأوي المجموعات المسلحة والمعارضة التي يستهدفها نظام الأسد، وفي نفس الوقت تعتبر المدينة منطقة معقدة جدا وسط الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 2011، وقد إستقبلت المدينة الهجرات بصورة مستمرة نظراً لبعدها نسبياً عن الاشتباكات طوال الحرب الأهلية إضافة لقربها من الحدود التركية، ولهذا السبب تستضيف المدينة عدداً كبيراً من معارضي النظام، علاوة على ذلك يربط الطريق البري M5 الذي يمر من المدينة كلا من الأردن وسوريا بتركيا، وتعد المنطقة منطقة حيوية لكل من الروس ونظام الأسد نظرا لموقعها المطل على البحر المتوسط، وتمتلك إدلب شريط حدودي مع تركيا بطول 130 كم ولهذا السبب ربما تؤثر أية أزمة قد تطفو على السطح في إدلب على تركيا بشكل سريع.

 

2.لماذا تتواجد تركيا في إدلب؟ 

 

تأتي مسألة إدلب على رأس أهم بنود جدول أعمال تركيا، ونتيجة لاتفاقية أستانة؛ في أكتوبر من عام 2017 بدأت تركيا في إقامة نقاط مراقبة سير الهدنة لمراقبة الوضع الفعلي في المنطقة، ومنذ هذا التاريخ استمرت تركيا في التواجد بالمنطقة.

ويمكننا التطرق لنقطتين أساسيتين توضحان وجهة النظر التركية تجاه مسألة إدلب.

يعتبر تدفق اللاجئين المُقدرة أعدادهم بمئات الآلاف كُلفة لا ترغب تركيا في تحملها، فعند التفكير في اللاجئين السوريين الذين تبلغ أعدادهم أربعة ملايين لاجئ في الوقت الراهن نرى أن قدوم موجة جديدة من الهجرة يعد سيناريو غير مقبول تماما بالنسبة لتركيا.

إلى جانب ذلك؛ هناك مشكلة محتملة أخرى وهي تدفق للمجموعات الارهابية من إدلب ومحيطها نحو تركيا، حيث تستضيف إدلب إلى جانب المعارضة السورية العديد من الجماعات المسلحة، وبالتالي فإن دخول إدلب بالكامل تحت سيطرة الأسد وروسيا سوف يؤدي إلى تقدم الجماعات المسلحة الموجودة في المنطقة للشمال أي نحو الحدود التركية.

وإلى جانب هذين المبررين العاجلين يمكننا الحديث عن مبرر استراتيجي إضافي للتواجد التركي في إدلب، عند إعادة النظر للمسار الذي سلكته الحرب الأهلية السورية نجد أن إدلب ظلت هي القلعة الأخيرة بالنسبة لنظام الأسد وروسيا، وفي حالة دخول إدلب تحت سيطرة النظام وروسيا مع غياب تركي عن الميدان قد تتعرض المكتسبات التي جنتها تركيا من عمليات نبع السلام وغصن الزيتون ودرع الفرات للخطر، ولهذا تستمر تركيا في التواجد في إدلب من أجل منع وقوع هذه السيناريوهات المحتملة.

 

3.من الذي يقف في مواجهة تركيا في إدلب؟ 

 

منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا وتركيا مضطرة لمواجهة تهديدات أمنية كبيرة لوحدها، حيث حققت تركيا نجاحات بارزة في الحرب على الإرهاب كنتيجة للعمليات العسكرية التي نُفذت ضد داعش وبي كا كا والواي بي جي، وحتى لو لم يتلاشى تهديد الإرهاب بشكل كامل فإن المخاطر الأمنية النابعة من الارهاب قد انخفضت بشكل ملحوظ على الحدود الجنوبية لتركيا.

وبصورة مشابهة اضطرت تركيا لمواجهة مسألة إدلب التي تشكل واحدة من أكثر النقاط حرجا في الأزمة  السورية بكل تكاليفها بعد أن تركها المجتمع الدولي وحدها، وتكافح تركيا نظام الأسد الذي يحصل على دعم روسي، ويستمر هذا النظام في تحميل تركيا عبء كل الأزمات الانسانية التي تسبب هو فيها -والتي تمس المجتمع الدولي- كمسألة الهجرة.

ولكن لابد من توضيح ما يلي : وقوع النظام بالكامل تحت سيطرة روسيا يجعل اللاعب الأصلي الذي يواجهه تركيا في إدلب هو روسـيـا.

 

4.من الذي يقف إلي جانب تركيا في إدلب؟  

 

حرصت تركيا في مسألة إدلب منذ البداية على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة وانتظرت تدخل المجتمع الدولي في المسألة، ولكن ما حدث إلى الآن هو أن الخطوات التي خطتها تركيا لم تلقى أي صدى، فأخذت تركيا زمام المبادرة لحل الأزمة عبر إطلاق مسار أستانة مع روسيا وإيران ومن أجل تجاوز التهديدات الأمنية والأزمات الانسانية التي قد تطفو على السطح في إدلب، ويعد مسار أستانة هو الألية الدولية الوحيدة الفعالة بالنسبة للأزمة السورية، ولكن بالرغم من كل تلك المساعي بقيت تركيا وحيدة في مسألة إدلب، ولم تري تركيا أي تجاوب مع مخاوفها من الرأي العام الدولي وعلى رأسه الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وتحمل النتائج التي ستصدر عن مساعي تركيا بالخاصة لدى حلف الناتو أهمية كبيرة، فتركيا هي دولة عضو في حلف الناتو والمسألة تمس حلف الناتو بشكل أو بأخر .

 

5.ما الذي ستقوم به تركيا في الفترة المقبلة؟  

 

تبدو إدلب كواحدة من أخر ميادين الصراع ضمن الحرب الأهلية السورية، ومع آخر اعتداءات النظام يكون مسار أستانة الذي نتج عن مفاوضات طويلة كأن لم يكن، المجتمع الدولي صامت بشكل واضح في مسألة إدلب، والولايات المتحدة وأوروبا لا تتصرفان بشكل مسؤول، ولا تجدي هذه المواقف الغير المسئولة في شئ سوى إعادة إنتاج السياسة القائمة على تخفيف التوتر بين الأطراف، وعلى أى حال سيكون علي تركيا أن توضح لروسيا عدم نيتها تقديم تنازلات في مسألة إدلب وأنه في حال إستمرار الاشتباكات في إدلب سترتفع تكلفة الصراع بالنسبة للنظام مع كل يوم يمر، وسريان الاشتباكات في كل سوريا سيكون بادرة لخلق جو من الصراع يستهلك طاقة الجميع، وفي حالة وقوع سيناريو كهذا فإن روسيا أيضا ستتآكل وتبلى، ولهذا السبب فإن احتمال عودة الأطراف مرة أخرى للطاولة الدبلوماسية بعد فترة سيكون مرتفعا، أما عن تراجع تركيا خطوة للخلف فلا يبدو ممكنا.

الموقف الحاسم هو الطريق الوحيد لإدارة ومنع هذه الأزمة أو الأزمات التي قد تنجم عن الأزمة السورية في الفترة المقبلة، القنوات الدبلوماسية قد تترك مفتوحة ولكن التحركات على الأرض تبدو حتمية لإقناع روسيا بالقبول بحل سلمي.

 

 

 

تسميات