تعديلات وتطورات جديدة في منطقة الخليج العربي

لم تعد دول الخليج تنظر إلى الحركات الديمقراطية الجماهيرية في المنطقة على أنها تهديد وشيك. فقد تضاءل تأثير الحركات الاجتماعية والسياسية البارزة، ولم تعد تشكل قوى التغيير تهديداً جدياً للأنظمة الفردية والسلطوية في المنطقة، إذ تم قمع جميع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. ولم تعد هناك في الوقت الحاضر، أية معارضة أو تهديد حقيقي للوضع الإقليمي الراهن. لذلك، قررت الدول المؤيدة للوضع الراهن وقف الدول الأخرى التي كانت تدعم قوى التغيير مثل تركيا وقطر.

مع بداية اندلاع حركات التمرد والثورات العربية التي عرفت باسم الربيع العربي، أعادت دول الخليج هيكلة توجهاتها في السياسة الخارجية عدة مرات. فاتخذت خلال العامين الأولين موقفاً دفاعياً ضد موجة الاحتجاجات الجماهيرية والحركات الثورية. ثم بدأت عام 2013 عمليات معادية للثورات واستبدلت الأنظمة الديمقراطية بأنظمة فردية وسلطوية، مثلما حصل في مصر. وفي المرحلة الثالثة، شكلت دول الخليج تحالفاً عُرف باسم “تحالف الجرم السماوي”، تحت قيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وبتشجيع من حكومته. وهكذا، حاولت هذه الدول إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون الإقليمي والشراكة الاستراتيجية. واليوم وبعد انهيار “تحالف الجرم السماوي” الترامبي وبداية إدارة جو بايدن، صار لزاماً على جميع الدول الإقليمية إعادة هيكلة توجهات سياستها الخارجية.

وكما هو الحال مع العديد من قضايا السياسة الخارجية، أعلن بايدن أنه سيعمل بعكس بعض سياسات ترامب في الشرق الأوسط. وجاءت أولى ردود الفعل من الخليج إذ بدأت دول الخليج العربي الترامبية، وهي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين، عمليات تطبيع أولها مع قطر بعد قمة مجلس التعاون الخليجي في العلا في يناير/كانون الثاني 2021، ثم مع دول إقليمية أخرى مثل تركيا.

ولكن لماذا قامت هذه الدول بتحسين العلاقات مع تركيا؟

استمراراً للتطبيع مع الأطراف الإقليمية، اتخذت دول الخليج الترامبية بعض خطوات التعاون تجاه تركيا، وحاولت تحسين علاقاتها مع أنقرة، وذلك لعدة أسباب أولها وصول بايدن للسلطة وتغيير الحكومة في الولايات المتحدة، حيث أعلنت إدارة بايدن أنها لن تصدر لدول الخليج شيكاً على بياض، إضافة لبعض التصريحات المحبِطة من قبل المسؤولين الأمريكيين، ما دفع السلطات الخليجية إلى تعديل سياساتها الإقليمية، واتباع سياسات إقليمية أكثر تصالحية وتعاونية، وتهدئة التوترات الإقليمية.

ثانياً، ظهر التنافس والصراع بين الولايات المتحدة والصين كديناميكية عالمية أخرى، غيّرت أجندات وسياسات دول الشرق الأوسط، التي لم تعد من أولويات الولايات المتحدة، مقارنة بالتوترات في منطقة المحيط الهادئ والتحالف الأطلسي. لذلك لم تعد ترغب واشنطن بتصعيد التهديدات في المنطقة أو ظهور صراعات جديدة تستهلك طاقتها.

ثالثاً، لم تعد دول الخليج تنظر إلى الحركات الديمقراطية الجماهيرية في المنطقة على أنها تهديد وشيك. فقد تضاءل تأثير الحركات الاجتماعية والسياسية البارزة، ولم تعد تشكل قوى التغيير تهديداً جدياً للأنظمة الفردية والسلطوية في المنطقة، إذ تم قمع جميع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. ولم تعد هناك في الوقت الحاضر، أية معارضة أو تهديد حقيقي للوضع الإقليمي الراهن. لذلك، قررت الدول المؤيدة للوضع الراهن وقف الدول الأخرى التي كانت تدعم قوى التغيير مثل تركيا وقطر.

رابعاً، أصبحت السياسات التصحيحية والتدخلية لدول الخليج الترامبية، في العديد من القضايا الإقليمية عبئاً لا يطاق. فعلى الرغم من استثماراتها الكبيرة، إلا أن دول الخليج لم تعد قادرة على التدخل بشكل فعال وناجح في الأزمات الإقليمية، وفشلت سياساتها في كثير من المجالات. بل تحولت العديد من الأزمات مثل حرب اليمن وليبيا والسودان إلى مستنقعات لدول الخليج. لذلك سعت هذه الدول بكل قوتها للانسحاب من هذه الصراعات.

والسؤال الأهم هنا هو ماذا تعني شراكة أنقرة-الدوحة؟

اعتُبرت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى قطر استجابةً للتطورات الإقليمية الجديدة. وفي الوقت الذي تقوم فيه تركيا بتطبيع علاقاتها مع دول الخليج الترامبية، تبدي أنقرة المزيد من التصميم على حماية شراكتها الاستراتيجية مع قطر. فبالإضافة إلى 62 اتفاقية و6 بيانات مشتركة تم توقيعها في السنوات السبع الماضية، وقعت أنقرة والدوحة 15 اتفاقية في إطار الاجتماع السابع للجنة الاستراتيجية العليا التركية القطرية.

ومن ناحية أخرى، تحاول تركيا وقطر توطيد علاقاتهما الثنائية على كافة الصعد بما فيها الجانب الاقتصادي حيث بلغ حجم التجارة الثنائية 1.6 مليار دولار، فيما تجاوزت الاستثمارات القطرية في تركيا 22 مليار دولار. وسيواصل البلدان تعاونهما في القطاع العسكري، وستستمر القاعدة العسكرية التركية في الدوحة في خدمة المصالح المشتركة. إلى جانب تبادل المعرفة والخبرة في إدارة المشاكل المحلية للدولتين. وخير مثال على ذلك إعلان تركيا أنها ستساهم في حفظ أمن الدوحة خلال مونديال 2022.

وكذلك، فإن تركيا وقطر عازمتان على تبادل وجهات النظر واتباع سياسات موازية والتعاون في القضايا الإقليمية، مثل سوريا واليمن وليبيا وفلسطين وأفغانستان. ومن المنتظر أن يسهّل تطبيع علاقات البلدين مع دول الخليج الأخرى، تحسين تعاونهما في القضايا الإقليمية، بعد أن لعبتا دوراً حيوياً في دعم الحكومة الشرعية الليبية المسماة حكومة الوفاق الوطني، ضد الجنرال الانقلابي خليفة حفتر. كما أنهما مستمرتان بالتعاون بشأن مطار كابول حامد كرزاي الدولي بعد سيطرة طالبان على المدينة.

علاوة على ذلك، أظهرت زيارة أردوغان إلى الدوحة أن علاقات تركيا المتغيرة مع دول المنطقة الأخرى، لن تضر بعلاقاتها مع قطر. وبمعنى آخر، ستظل تركيا وقطر المحور الثالث للقوة في الشرق الأوسط، إلى جانب المحور الشيعي بقيادة إيران والتحالف الإماراتي السعودي الإسرائيلي، مع فارق التشبيه، لأن هاتين الدولتين اتبعتا وعلى عكس المحورين الآخرين، سياسة إقليمية تصالحية وليست تصادمية كما أنها أكثر شمولاً. وهذا هو السبب في أن عملية التطبيع الأخيرة ستسهم في تحسين المنظور الإقليمي للبلدين.

تسميات