اغتيال “فخري زاده” مؤشر جديد على وجود أزمة منهجية في النظام الدولي

من الواضح أن القوى التي تسعى لخلق الفوضى الإقليمية والعالمية تلعب أوراقها الأخيرة. فالديمقراطيون في الولايات المتحدة ومعظم المؤسسات والدول الأوروبية طلبوا من إيران التحلي بالصبر والامتناع عن الانتقام الذي قد يؤدي إلى اضطراب العالم ودخوله في حروب طاحنة لا يخرج أحد منها رابحاً.

يمر النظام الدولي الحالي بأزمة عميقة ناجمة عن عدم احترام مبادئه من قبل الجهات الفاعلة الرئيسية فيه، بما في ذلك الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية الأخرى. وقد وضعت معظم الدول الغربية في الوقت الحاضر المبادئ الأساسية للنظام الدولي جانباً، وخصوصاً الديمقراطية والاقتصاد الليبرالي.

وتشهد الدول الغربية صعود الفاعلين السياسيين من غير الليبراليين وسيادة الفهم الاقتصادي التجاري. حيث اختفى الترويج للديمقراطية ولم يعد جزءاً من الخطاب السياسي الغربي، بدليل أن معظم الدول الغربية باتت تفضل تقديم الدعم للأنظمة والجهات الأكثر استبداداً وقمعاً في جميع أنحاء العالم، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ضد الحركات الديمقراطية. علاوة على ذلك، استحوذت الحركات والأيديولوجيات السياسية المتطرفة واليمينية المتطرفة والشعبوية والراديكالية على صنّاع السياسة الغربية الرئيسيين.

وبعيداً عن وجهات النظر السياسية التقليدية والعقلانية والبراغماتية، يركز الوضع السياسي الغربي حالياً على الأيديولوجيا والثقافة والعاطفة. فمعظم السياسات الخارجية للحكومات الغربية ذات توجه إيديولوجي، وهي تعمل على “إبعاد وتنحية” الدول ذات الثقافات والأعراق والأديان والحضارات المختلفة.

ونتيجة لذلك، شهدت البلدان الغربية ارتفاعاً كبيراً في كراهية الأجانب وتفشي المشاعر المعادية للمهاجرين والمناهضة للإسلام والمعادية لكل ما ليس غربياً. وفي الواقع لا يعارض اليمينيون المتطرفون والقوميون المتطرفون، العولمة والتعددية الثقافية فحسب، بل يعارضون الاتحاد الأوروبي أيضاً. بالإضافة إلى الكثير من الفجوات الآخذة في الاتساع بين الدول الغربية وسكانها.

وبما أن النظام لم يعد يخدم مصالحها بالشكل المطلوب، بدأت الدول الغربية في تقويض دور المنظمات الدولية. كما حدث أثناء إدارة ترامب مثلاً، حيث انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من اثنتين من أكثر المنظمات الدولية نفوذاً، وهما منظمة الصحة العالمية واليونسكو.

وكذلك تتبع الولايات المتحدة سياسة خارجية أحادية الجانب وتتجاهل مبادئ المنظمات الدولية، دون اكتراث بما سيكون لانسحابها من المؤسسات الدولية واتّباعها سياسات أحادية من تأثير وخيم على سياستها الخارجية وعلى دورها العالمي وفي النهاية تقويض شرعيتها بالمطلق. وقد فقدت الولايات المتحدة بالفعل ثقة حلفائها الغربيين لأنها تتجاهل مخاوفهم وتتجاوز توقعاتهم.

ونتيجة لأزمة النظام العالمي وانعدام الهيمنة الفعلية فيه، بدأت العديد من الدول وخاصة الولايات المتحدة وبعض حلفائها، في استهداف مسؤولين من دول أخرى بشكل غير قانوني.

فعلى سبيل المثال، قتلت الولايات المتحدة “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس وأحد الشخصيات البارزة في إيران وكذلك “أبو مهدي المهندس” نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي في يناير 2020.

وبالمثل، اغتيل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” في القنصلية السعودية في إسطنبول بأمر من السلطات السعودية.

وبالرغم من الأدلة الواضحة التي قدمتها الحكومة التركية، لم تعاقب الحكومات الغربية المملكة العربية السعودية على الفعل غير القانوني الذي ينتهك حقوق الإنسان الأساسية.

ولا تزال إسرائيل تستهدف الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية منذ عقود. وكذلك تستهدف روسيا شخصيات معارضة غادرت أراضيها إلى دول أخرى.

قضية فخري زاده:

يعتبر مقتل “محسن فخري زاده” أكبر عالم نووي إيراني في طهران يوم 27 نوفمبر، مؤشراً آخر على الأزمة المنهجية والأنشطة غير القانونية لنفس المجموعة من الدول.

ويبدو من طبيعة عملية الاغتيال أنه تحرك سياسي لا يمكن إنكاره، إذ قام به فريق محترف للغاية، وتقدر القليل من الدول فقط على تنفيذ مثل هذه العملية العسكرية. وقد ألقى العديد من المسؤولين الإيرانيين باللوم على إسرائيل في الوقت الذي زعم فيه بعض المراقبين تورط الولايات المتحدة وإسرائيل معاً، مشيرين إلى سجلات الدولتين السابقة.

ويحظى توقيت القتل الذي حدث بعدما خسر ترامب الانتخابات الأمريكية بأهمية خاصة، حيث يعتقد العديد من المراقبين أن ترمب خطط لترك جو بايدن الذي أعلن رغبته في العودة إلى الاتفاق النووي وتطبيع العلاقات الأمريكية مع إيران والمشاركة بالدور العالمي، يتخبط في حالة من الفوضى.

إن تحالف حكومات ترامب، المؤلفة من بنيامين نتنياهو من إسرائيل، ومحمد بن زايد من الإمارات العربية المتحدة، ومحمد بن سلمان من المملكة العربية السعودية مثير للقلق. وبالرغم من أنهم سيواجهون صعوبة في اتخاذ خطوات عنيفة ضد خصومهم في ظل إدارة بايدن، إلا أن أنشطتهم غير القانونية لا يجوز أن تمر دون عقاب.

وهناك ادعاءات بأن حكومة ترامب وائتلافه الدولي يحاولون خلق الفوضى في الشرق الأوسط وعرقلة حل المشاكل الدبلوماسية، بهدف إجبار بايدن على اتباع سياسة متضاربة.

كما أعرب ترامب بوضوح عن رضاه التام عن عملية الاغتيال، وأعاد تغريداته التي تؤكد ذلك ثلاث مرات بعد الحادثة. وقال مسؤول إسرائيلي لوسائل الإعلام الأمريكية، إن على العالم أن يشكر دولة إسرائيل على مقتل العالم النووي الإيراني، الذي كشف نتنياهو عن اسمه عام 2018.

أما خيارات إيران فيما يتعلق بمقتل فخري زاده، فأمامها حل من اثنين. الأول هو إظهار الصبر الاستراتيجي: أي أن إيران لن ترد حتى يتولى بايدن منصبه في 20 يناير، حيث تتوقع الحكومة الإيرانية فتح صفحة جديدة مع رئاسة بايدن.

ومن المعروف أنه تم تقييد إيران من قبل إدارة ترامب وحكومة نتنياهو على مدار العام، وقام كلاهما باستفزاز إيران من خلال قتل “سليماني” وتفجيرات بعض مواقعها الاستراتيجية.

وقد تفقد الحكومة الإيرانية إذا ما اتبعت هذا الخيار، احترام الجمهور وولاء الشعب. لأن عدم قدرتها على إيجاد القوة للرد على الهجمات المناهضة لها مثل اغتيال “سليماني” يهز شرعية نظامها الحاكم.

والخيار الثاني لإيران هو المواجهة مع إسرائيل ومهاجمة أراضيها مباشرة أو مهاجمة البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في دول أخرى تكون بمثابة طرف ثالث. ويمكن لإيران أيضاً حشد وكلائها في المنطقة، مثل حزب الله لمهاجمة إسرائيل. وفي هذا السيناريو ستقوم إسرائيل بتصعيد التوترات كي تصل إلى حرب شاملة.

وفيما لا يمكن لإيران في الوقت الحاضر أن تتحدى إسرائيل والولايات المتحدة معاً، لذلك يبدو هذا الخيار أقل احتمالاً.

من الواضح أن القوى التي تسعى لخلق الفوضى الإقليمية والعالمية تلعب أوراقها الأخيرة. فالديمقراطيون في الولايات المتحدة ومعظم المؤسسات والدول الأوروبية طلبوا من إيران التحلي بالصبر والامتناع عن الانتقام الذي قد يؤدي إلى اضطراب العالم ودخوله في حروب طاحنة لا يخرج أحد منها رابحاً.

هذا النوع من عمليات القتل والاغتيالات لا تؤدي إلا إلى زعزعة السلام والهدوء على المستوى الإقليمي والعالمي. ولن يسمح السياسيون ولا الحكومات المسؤولة في العالم بحدوث ذلك بعد الآن.

تسميات